فرنسا تتشبث بنفوذها الاستعماري في إفريقيا

تسعى فرنسا دائماً، وهي من أقدم الدول في أوروبا، إلى الوصاية على الشعوب المستضعفة، عن طريق الحفاظ على الحدود الموروثة منذ حقبة الاستعمار، حيث تساعد هذه الحدود على هيمنتها على الثروات الطبيعية من اليورانيوم والنفط على وجه الخصوص وقطع الطريق أمام غريمتها أميركا للتدخل في إفريقيا تحت مصطلح محاربة الإرهاب.

ويؤكد محللون أن دور فرنسا في الحرب في ليبيا لم يكن بعيداً عن قضية النفط والمصالح وأنه كان باعثاً وراء تعظيم ذلك الدور من أجل أن تكون المكاسب تتناسب طردياً مع أهمية هذا الدور. ولم يُكنّ الفرنسيون كثيراً محبة للقذافي، لكنه كان بشهادتهم قادراً على الإمساك بشمال إفريقيا بيد من حديد، كي لا تغدو كما هي الآن مرتعاً لجهاديي العالم وإمارة يسعون لإنشائها.

أما وقد غرق الساحل الإفريقي، وبعض الصحراء أيضاً، في خضم الفوضى الجهادية، ترى باريس لزاماً أخلاقياً عليها أن تعيد إليه استقراره، حيث لم ينتظر الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إيماءة الرئيس الأميركي باراك أوباما ولا غيره، بل بادرت باريس إلى العمل العسكري منفردة، بسبب ما تراه مسؤولية ملقاة على عاتقها في منطقة الساحل الإفريقي، موروثة من صداقات حافظت عليها وليس من ماضٍ استعماري تحاول باريس التملص من تبعاته، وكذلك مشياً على عادة اكتسبتها من تدخلها في ليبيا لإزاحة نظام العقيد معمر القذافي عن كاهل العالم الحر، كما يصور مراقبون أوروبيون المسألة من منظار فرنسي، انتقل إرثاً من نيكولا ساركوزي إلى هولاند.

تنافس محتدم

ويؤكد محللون وجود تنافس محتدم بين كل من أميركا وفرنسا بهدف السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية ذات الموقع الجغرافي الهام بجانب ثرواتها ومواردها الطبيعية الغنية بالبترول والغاز واليورانيوم، حيث كانت مالي في الأساس ترزح تحت ظل الاستعمار الفرنسي، إلا أن دخول أميركا على هذا الخط بكل ثقلها تحت مسمى مكافحة الإرهاب أكسب الأمر مزيداً من التعقيد، وزاد من قلق فرنسا على مصالحها في مالي ومخاوفها من زيادة نفوذ الانقلابيين مما دعاها إلى الإسراع في تدخلها العسكري في مالي لقطع الطريق أمام الأطماع الأميركية التي تخدم مصالح واشنطن وأهدافها في المنطقة، باعتبارها فرصة ذهبية أميركية لإعادة رسم خارطة العالم الجديد باستخدام نفس كلمة السر «الحرب على الإرهاب».

ويقول خبراء استراتيجيون فرنسيون إن الألوية الفرنسية المحاربة في منطقة الساحل الإفريقي مرّت بمعمودية النار الأفغانية، وهي تعرف تمام المعرفة قدرات المجموعات الإسلامية المقاتلة، ولن تستخف بها، بل ستأخذها دوماً على محمل الجد. كما أن الغطاء الاستطلاعي الجوي متوافر لها، ولن تقع في مكامن فتاكة كتلك التي أودت بحياة العشرات من الجنود الفرنسيين في أفغانستان.

من جندي إلى قائد

في أفغانستان، كانت باريس جندياً بامرة القائد الأميركي الأعلى، الذي تزعم حرب العالم على تنظيم القاعدة. حتى أن الجنود الفرنسيين لم يجدوا فرصة مواجهة مباشرة مع متشددي طالبان وإخوانهم إلا بعد أربعة أعوام من ابتداء الحرب على الإرهاب في آسيا الصغرى.. في مالي، باريس هي القائد وصف الضابط والجندي. هبّت لإنقاذ مالها من براثن الإمارة الإسلامية التي توشك أن تتشكل وأن تمد جذورها في المغرب العربي، وأن تحرم فرنسا لقمتها من اليورانيوم والنفط.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات