رغم المعارضة الشديدة من بعض الشخصيات السياسية الكردية في تركيا للحل الدبلوماسي مع أنقرة، ومعارضة متشددين قوميين أتراك إزاء ما يصفونه «تقديم تنازلات للأكراد» في الصراع المسلّح المندلع منذ 1984 مع حزب العمال الكردستاني.

إلا أن مبادرة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وتجاوب زعيم حزب العمال السجين عبد الله أوجلان عبر مبادرة لإلقاء السلاح مقابل بنود تمنح مجموعة حقوق للشعب الكردي في تركيا، أتاحت نوعاً من التفاؤل بين أوساط كردية وتركية مختلفة لإنهاء هذا الصراع الذي خلّف أكثر من 40 ألف قتيل خلال ثلاثة عقود.

حين نأتي إلى القضية الكردية المزمنة في تركيا، فهي لا يمكن معالجتها سطحياً برمي الخلفية التاريخية للصراع وبعض تفاصيله وراء ظهورنا التي تعمد بعض الجهات من الطرفين (الكردي والتركي) طمسها أو التلاعب بها لما يخدم قضية كل طرف.

وبعودة سريعة إلى صفحات طواها التاريخ وغضّت مراكز القوى والدبلوماسية المتأنقة بحطام الشعوب النظر عنها لمصالح سياسية، نجد أن القوى الأوروبية الكبرى التي أنتجت اتفاقية سايكس-بيكو التي قسّمت المنطقة العربية وتركت «جيوباً» ومشاكل للتدخل المستقبلي، انتجت اتفاقية لا تقل خطورة في التلاعب برقعة شطرنج العالم وهي اتفاقية سيفر، ولأننا لسنا بصدد التحدث عن هذه الاتفاقية بالتفصيل، نأخذ منها الجزء المتعلّق بالقضية الكردية وعلاقته بتركيا تحديداً.

أقرت اتفاقية سيفر التي وقعتها القوى الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا) عام 1920 في بنودها 62 و63 و64 بإقامة دولة كردية في مناطق جنوب شرق تركيا (كردستان) إلا أن دول الحلفاء سرعان ما انقلبت على هذه الاتفاقية عندما ظهرت بوادر تحالف بين الثورة البلشفية في روسيا والزعيم التركي العلماني كمال أتاتورك، فتم إبدالها باتفاقية لوزان العام 1923 التي تم بموجبها التخلي عن البنود السابقة في قيام الدولة الكردية أو إقامة الحكم الذاتي مقابل توجه أتاتورك غرباً، وهذا ما حصل باسم التحديث والعصرنة.

ويكتب التاريخ أن أتاتورك تعامل بدهاء مع القادة والزعماء الأكراد الذين حضروا معاهدة لوزان، حيث نكث بوعوده التي أعلنها بمنح الحقوق كاملة للأكراد مقابل عدم مطالبتهم بالاستقلال عن الوطن الأم تركيا).

لكن أتاتورك لم يكتفِ بذلك، بل انتهج سياسة إزاء الأكراد قامت على الإنكار والإقصاء بعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 عندما بنى دعائم جمهوريته على إنكار التعدد الديني (الإسلام المسيحية) والقومي (الكرد الأرمن العرب)، حيث تم تصنيف القومية الكردية في مرتبة العدو الداخلي، كما نصت قرارات مجلس الأمن القومي التركي لاحقاً.

الجبهة السورية

بعد أن طوينا على عجالة صفحات تاريخية لا تتسع لها مجلدات ضخمة، نقول إن المساعي من الأطراف كافة للوصول إلى حل سلمي للقضية الكردية في تركيل بلغت عشرات المبادرات ولم يكتب لأي منها النجاح لأسباب يطول شرحها، تتعلق بالجوار الإقليمي والرؤية الكردية والتعنت الحكومي التركي في مراحل سابقة، إلا أن المبادرة الجديدة لأردوغان وما قابلها من موقف وخطوات إيجابية من جانب أوجلان، يجب أن لا تقرأ خارج السياق الحقيقي للأوضاع في المنطقة وحسابات كل طرف.

فعلى الجبهة السورية التي ترتبط بشكل كبير بخطوات السلام والتنازلات من الجانبين، نرى نظاماً يقارب من الانهيار يوماً بعد آخر، ومخاوف أردوغان من تشكيل امتدادٍ جديد (غير جبال قنديل العراقية) لمقاتلي ومناصري حزب العمال الكردستاني في شمالي سوريا الذي سيغدو في حال سقوط نظام الأسد إلى كيان كردي شبه مستقل كشقيقه الموجود شمالي العراق.

زعامة كردية

أما على الجانب العراقي، فالوضع الكردي مرتبط بصورة كبيرة بسيطرة رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني (رغم خلفيته العشائرية) على خيوط السياسة الكردية في منطقة كردستان الكبرى وتكريس نفسه كزعيم توافقي للأكراد مع غياب الرئيس العراقي جلال طالباني (الزعامة الإيديولوجية الكردية الأقرب لحزب العمال الكردستاني ذي الميول اليسارية)، ناهيك عن وضع بارزاني المتأزم مع حكومة نوري المالكي الذي حاول أن يلعب ورقة «العمال» وتحريكهم ضد أردوغان وسياساته تجاه العراق إلا أنه لم يفلح لأسباب مختلفة.

وأضف إلى ما سبق ما يمكن وصفه بـ «قص أجنحة القيادة العسكرية التركية المعارضة للحل الدبلوماسي مع الأكراد بمباركة غربية وأميركية لصالح تقوية نفوذ أردوغان».

كما أن الوضع على الجبهتين العراقية والسورية وما سينجم عن تطورات الأوضاع فيهما إضافة إلى الشأن الداخلي الكردي- التركي واقتناع قادة الميدان في حزب العمال الكردستاني بإلقاء السلاح، كل ذلك هو الذي سيتحكم في مجرى أمر مبادرة السلام «الأردوغانية- الأوجلانية»، وربما ستأتي الأيام القادمة بما سيكون مؤشراً لهذه المبادرة.