من المرجح ألا ينفصل أي إقليم في أوروبا عن الوطن الأم خلال العام الجاري. لكن في الغالب، ستشهد القارة العجوز استحقاقات انفصالية ابتداءً من العام المقبل قد تمتد إلى نهاية العقد الثاني من الألفية الثالثة.

موجة سيطرة اليمين المتشدد على الحكومات الأوروبية، والتي بدأت مع وصول جان ماري لوبان إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في فرنسا العام 2002، لم تكن في حقيقة الأمر أكثر من تمهيدٍ لظهور التيار الانعزالي الانفصالي الإقليمي. ت

مكن هذا اليمين من تحقيق اختراقاتٍ عدة عبر تغذيته النزعات الشعبوية وإثارته لقضايا تمس تلك المشاعر، فكسب معارك متصلة تتمثل في منع بناء المآذن في سويسرا وحظر النقاب في عدة دول، فضلاً عن فتح باب الجدال حيال «غزو» اللحم الحلال للأسواق الأوروبية.

ونقلت نتائج تلك المعارك، الأحزاب اليمينة المتطرفة إلى ساحة الحكومات الائتلافية لتتحول إلى الشراكة في الحكم، قبل أن تنكفئ، بعد أن تمكنت من زرع «بذرة» الانفصال بفكرها القومي المعادي للأجانب، خاصة المهاجرين غير الشرعيين منهم، والذين بدورهم ساهموا، من خلال تدفقهم بأعداد كبيرة وبسلوكيات لا تسهم في اندماجهم بمجتمعاتهم الجديدة، في تأجيج مشاعر الغضب تجاههم.

نجح اليمين المتشدد في خلق رأي عام أوروبي يحمّل الأجانب مسؤولية التدهور الاقتصادي والأزمات المالية في بلدانه، بسبب الكلفة الضخمة لاستضافة هؤلاء الذين يبقى معظمهم عالة على المجتمعات الأوروبية، حيث يستغلون نظام الضمان الاجتماعي المثقل كاهله أساساً.

المملكة الإسبانية

انكفاء اليمين المتشدد الذي يتضح من نتائج الانتخابات في غير دولةٍ أوروبية في العامين الماضيين، إذاً، لا يعبر عن عودة اليسار إلى تصدر المشهد السياسي بقدر ما هو فتح الباب للانفصالية لكي تطل برأسها بعد أن فعل الضخ اليميني فعله في الوعي المناطقي الأوروبي وأيقظه من سباته.

وهذا ما يتكشف من مطالبات إقليم كاتالونيا، أحد الأقاليم الـ17 التي تشكل المملكة الإسبانية، بتنظيم استفتاء لنفض اليد من مدريد، على خلفية الأزمة المالية، مع شكوى برشلونة من أنها تتحمل ضرائب أكثر من المناطق الأخرى، وهي التي تشكل خُمس الإنتاج الاقتصادي الإسباني وأكثر من ربع صادراته.

وليس بعيداً عن كاتالونيا، يأتي إقليم الباسك برغباته الانفصالية الدفينة هو الآخر، رغم أن حركة «إيتا» المسلحة، التي خاضت واحداً من أطول النزاعات الأهلية في أوروبا (بين 1958 و2011)، تراجع نفوذها وأوقفت النار، ما أعطى هامشاً أوسع للحراك السياسي السلمي وسَحَب البساط من تحت أقدام مدريد التي كانت تتذرع بالإرهاب لتعبئة الإسبان والباسكيين ضد الانفصال.

المملكة المتحدة

وإن لعب التاريخ الطويل من العداء المستحكم بين برشلونة وفيتوريا- غاستايز من جهة ومدريد من جهة أخرى دوراً في تقوية المشاعر الانفصالية، فإن مملكة ثانية في القارة تواجه استحقاق العداء التاريخي المزمن، حيث تعتزم اسكتلندا تنظيم استفتاء للانفصال عن بريطانيا العظمى في خريف 2014، رغم أنها تتمتع باستقلال ذاتي أكبر بكثير من كاتالونيا.

ويحاول حزب المحافظين، الذي يحكم المملكة المتحدة، صد الموجة الانفصالية، التي قد تمتد إلى ويلز في مرحلة لاحقة، بضخ الدماء في المشاعر الوطنية وكيل الاتهامات إلى الاتحاد الأوروبي واجترار المشاعر «الفوقية» التي تطبع العقلية البريطانية تقليدياً والتحذير من التبعات الاقتصادية «المدمرة» للفكاك الاسكتلندي، عله ينفع سلاحاً في وجه الاستقلاليين.

بلجيكا وإيطاليا

وفي بلجيكا، الدولة الفيدرالية بعاصمةٍ تتمتع بوضعٍ خاص، بات إقليم الفالاندر الشمالي الثري، الناطق بالهولندية، غير راغبٍ بمواصلة تقاسم الأعباء المالية مع نظيره الوالون الجنوبي الفقير، الناطق بالفرنسية.

وتشير الوقائع على الأرض أن لا شيء يجمع حقيقةً بين الإقليمين، وسط ازدياد الامتعاض من «الغرباء الذين لا يحملون ثقافتنا»، كما يصفهم إعلام إقليم الفالاندر الذي أعطى فوز الانفصاليين في انتخاباته المحلية دفعةً كبيرةً لمصيرٍ محتم، لم يكن تسجيل بلجيكا رقماً قياسياً في تعثر تشكيل الحكومة الاتحادية لـ541 يوماً بين 2010 و2011، سوى شاهداً بسيطاً على مدى اقترابه.

أما في شمال إيطاليا، فتتطلع مقاطعة جنوب التيرول الغنية والناطقة بالألمانية إلى فض الاشتباك مع «المحتل» الإيطالي. وتعيش الأحزاب الانفصالية أياماً مزدهرة، حيث تلقى مطالباتها تأييداً كبيراً من سكان جنوب التيرول الذين ضاقوا ذرعاً بتحملهم أعباء مديونية روما التي تناهز تريليوني يورو.

والمشكلة، أن لا خطة طوارئ أوروبية جاهزة للتعامل مع أي مستجدات انفصالية قد تأتي بها قادمات الأيام، بالنظر إلى غياب أي تشريع عن المواثيق الأوروبية يهتم بالتعاطي مع تلك القضايا. وهو ما يعني ارتباكاً أوروبياً واضحاً يضاف إلى جملة الاضطرابات السياسية والقانونية والاقتصادية التي تنهش اتحاد الدول الـ27 الذي يبدو أنه سائر نحو البلقنة.

الإنفصاليون في أوروبا يحققون مكاسب سياسية