طغت المماحكات على السجالات التي شهدها لبنان طوال الأسبوعين الماضيين في شأن إقرار قانون جديد للانتخابات النيابية.. وسط حالة من انعدام الثقة عمّقتها مقرّرات اللقاء الأرثوذكسي الذي سنّ سابقة سياسية باقراره، ومن بعدُ لجان المجلس النيابي، تصويت اللبناني لابن طائفته فقط.. وما دفع لبنان إلى منزلق طائفي غير مسبوق كانت نتيجته حالة استقطاب وشرخ طائفي لم يشهد له لبنان مثيلاً منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي.

ومع اقتراب مهلة التاسع من مارس، الموعد الاخير لدعوة الهيئات الناخبة لاستحقاق يونيو المقبل، يبدو اللبنانيون، وبخاصة الرئيسين: ميشال سليمان ونبيه بري (رئيس المجلس النيابي)، في سباق مع الزمن لتقريب وجهات النظر بين الأفرقاء الذين افترقت آراؤهم حيال مقرّرات اللقاء الأرثوذكسي وسط حالة من العجز البيّن عن استيلاد تسوية في شأن قانون الانتخاب العتيد، تبدو في حال غيابها الانتخابات في مهب الريح.

وما يثير الشبهات في ما يجري، إصرار تحالف حزب الله - التيار الوطني الحر، بزعامة العماد ميشال عون، على هذا المشروع الذي افرزه اللقاء الأرثوذكسي، وعرضهم معادلة بديلة غير مقبولة: لبنان دائرة واحدة مع النسبية، كبديل.

وأمام هذا الحائط من المواقف التي لا مجال لتلاقيها وجسر الهوة السحيقة التي تباعد بينها، يبدو الرهان على الرئيس سليمان الذي اكد في أكثر من مناسبة أنه لن يكون معبراً لمشروع اللقاء الارثوذكسي، وأنهّ يلتزم بأمرين لا ثالث لهما: إجراء الانتخابات في موعدها واعتماد النظام النسبي مع الأولوية لمشروع الحكومة، وأنه سيمارس صلاحياته كاملة سواء في رد المشروع أو الطعن فيه أمام المجلس الدستوري. أما الرهان الآخر، فهو على خلع الرئيس نبيه بري عباءة الحَكَم المحايد وإعلان موقف صريح من السجالات الدائرة، وإنْ كانت التلميحات التي صدرت عنه تشي بأنّه رافض لـ «الأرثوذكسي» لكن الحسابات السياسية، في ضوء كونه أحد أركان تحالف 8 آذار الداعم لهذا المشروع الطائفي، تجعله حذراً في اطلاق رصاصة الرحمة على المشروع.

وفي هذا السياق، نسب إلى بري، الذي يبدو في موقف لا يحسد عليه بين المضي قدماً في دعم مشروع يدعمه التحالف السياسي الذي ينتمي إليه أو رفع راية مخالفة، القول: «لن أدعو الى جلسة نيابية عامة (للتصويت على المشروع الأرثوذكسي) من دون توافق مسبق، فأنا لست مدير جلسات، أنا من أساس الميثاق الوطني وأقدّر مصلحة البلد».

وهنا، يبدو بري ممسكاً بمفتاح حل، في ضوء طرحه صيغة القانون المختلط مناصفة بين النظامين النسبي والاكثري. وإنْ كان ما يقدّمه لا يزيل كل توجس من قبل تيار المستقبل (الذي يخوض هذه المعركة في مواجهة حلفائه المسيحيين في تكتل 14 آذار الذين يبدون مستأنسين بالمشروع محور الجدل) ومن قبل زعيم جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط، الذي يفضّل بدوره مشروع الرئيس سليمان أي النظام الانتخابي المزيج بين النسبية والتصويت المباشر المحكوم بالأكثرية.

ولزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي فكرة أخرى حَرِيَّة بالتأمّل، فهو يدعو إلى تفعيل بند موؤود في اتفاق الطائف ينص على وجود مجلس شيوخ، وفي حال أحيي هذا البند تنتخب الطوائف أعضاء المجلس تحقيقاً لما يطالب به مشروع اللقاء الأرثوذكسي.. بينما يبقى انتخاب أعضاء مجلس النواب على حاله بصورة تكفل أن يكون عابراً للطوائف وتقسيماتها. وهكذا تبدو الحلول الوسط كثيرة لكن أياً منها لا يحظى بأي أفضلية.