الأعوام الأربعة التي حكم خلالها الرئيس الأميركي باراك أوباما الولايات المتحدة، كانت مخيبة للآمال بكل المقاييس. وفيما يجادل كثيرون أن الأعوام الثمانية لسلفه جورج بوش لم تكن بأفضل حال، إلا أن نظرة عن قرب لحصاد أوباما في البيت الأبيض، بين 2008 و2012، تبين حقيقة الفشل الأميركي على أكثر من صعيد، اللهم بعض الومضات هنا وهناك.

داخلياً، ارتفع الدين العام الأميركي إلى 16 ألفاً و396 مليار دولار، وهو أعلى من السقف المسموح به قانوناً. وازدادت حدة الانقسام بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن العديد من القضايا، مع انخفاض نسبة تأييد الرئيس الأميركي إلى 51 في المئة غداة تسلمه منصبه رسمياً لولاية ثانية، وهي التي كانت 62 في المئة في مثل هذه الأيام من العام 2009.

الأصوات التي تتهم أوباما بكونه يسارياً يميل إلى بسط السطوة الحكومية على الحريات الفردية سترتفع مع المواجهة المقبلة أمام خصومه فيما يتعلق بسعيه إلى فرض قيود على حيازة السلاح عبر سن قوانين تقيد امتلاكه، فضلاً عن حديثه عن «قوننة» الهجرة غير الشرعية الآتية من المكسيك تحديداً أملاً في جر الناخبين «الهيسبانيك» للتصويت لحزبه في انتخابات الكونغرس العام 2014 والتي يتوقع لها أن تشكل نكسة تقليدية، من حيث النتيجة، لرئيس أميركي في منتصف ولايته الثانية والأخيرة.

وباستثناء ملفات الموازنة العامة والهجرة وحمل السلاح، لن يكون هناك الكثير من القضايا الداخلية التي سيحمل «أوباما 2» لواءها، خاصة أن لا أولوية لموضوع مكافحة التغير المناخي، مثار الجدل الدائم مع الجمهوريين، على أجندة الإدارة الأميركية الجديدة، بل ولا نية حتى لفتحه أمام أبواب التشريعات.

ليبيا ومالي

خارجياً، يمكن وصف أداء إدارة سيد البيت الأبيض بأنه «أكثر من سيئ»، بعدما ارتضى الانزواء سياسة والسلامة مذهباً عسكرياً. في ليبيا قبل عامين، ترك أوباما القيادة من الأمام إلى فرنسا نيكولا ساركوزي.

وفي مالي 2013، يتولى سيد قصر الإليزيه فرانسوا هولاند زمام الحرب على الإرهاب، بنسختها الفرنسية هذه المرة، تاركاً لأوباما ووزير دفاعه ليون بانيتا، المنعوت في الداخل الأميركي بـ«الانهزامي»، قصاصات البيانات التي تدين العنف وتؤكد التضامن مع الحليف الأطلسي، بكثير من الكلام وقليل من التعاون الاستخباراتي، في حين لم تلق قضية الرهائن المحتجزين في الجزائر، وبينهم أميركيون، اهتمام أوباما الشخصي.

وعليه، فإن منطقة الشمال الإفريقي لم تكن محل اكتراث الرئيس الأميركي في ولايته الأولى ولن تكون كذلك في الثانية، حيث من المرجح أن يستمر في سياسة «القيادة من الخلف»، ليبقى المقود بأيدي دول أخرى.

«رواندا أوباما»

وتعتبر سوريا الشاهد الأقوى على فداحة السوء الذي ميز سياسة واشنطن الخارجية بين 2008 و2012، والذي سيستمر في الغالب حتى 2016. فإهمال الرئيس الأميركي المتعمد للثورة السورية وتردده في دعمها بشكل حاسم وتركه التنظيمات المتطرفة تتكاثر، ليشتكي منها فيما بعد ويضعها على قائمة الإرهاب، أوصل سوريا إلى الوضع الكارثي الذي وصلت إليه، والذي باتت معه بحاجة إلى جهود عقود من الزمن لكي تتجاوز دمار عامين. ويصح أن يقال إن سوريا هي «رواندا أوباما» كما كانت مجازر تلك الدولة الإفريقية الصغيرة فضيحة الرئيس الديمقراطي الآخر بيل كلينتون في منتصف تسعينات القرن الماضي.

الثابت أن سيد البيت الأبيض سيمضي في مبدأ «إنهاك الطرفين لبعضهما البعض»، أي النظام والثوار، حتى يرتضيا حلاً سياسياً يكون لروسيا اليد الطولى في تفصيله، بعدما سلمت واشنطن الملف السوري بالكامل لموسكو، كجزء من مقايضة مع الملف النووي الإيراني، ستظهر نتائجها على دمشق وطهران خلال العام الجاري على الأرجح، استباقاً لأي ضربة عسكرية قد تقوم بها إسرائيل بنيامين نتانياهو في الصيف المقبل بعد أن يستقر لها الحال إثر الانتخابات التشريعية المرتقبة خلال يومين.

العراق وأفغانستان

ولا تبعث تعيينات الرئيس الأميركي في حقيبتي الخارجية والدفاعية على التفاؤل، خاصة أن رئيس الدبلوماسية المرتقب جون كيري، هو أحد الساسة القلائل الذين دافعوا عن رئيس النظام السوري بشار الأسد إبان الحصار المفروض جمهورياً بين 2004 و2008، ومن منظّري العقيدة القديمة المتمثلة بالحوار مع أنظمة «الشيطان الذي تعرفه» الدكتاتورية، كحليف أضمن من أنظمة «الشيطان الذي ستتعرف عليه» الديمقراطية المنبثقة عن الثورات. أما سيد «البنتاغون» الجديد تشاك هاغل، فهو من مريدي التيار الانعزالي القاضي بعدم تورط الولايات المتحدة في حروب خارجية.

ويعتبر هاغل مهندس سياسة «الفصل الأخير» للانسحاب من أفغانستان، والتي لربما اختير من أجلها للمنصب، حيث سيشرف على خطة الخروج المزمع من هناك العام 2014، تماماً كما كان من أشد الداعين إلى الانسحاب من العراق، المسيطر عليه إيرانياً.

ويبدو العراق مقبلاً على تحديات كبيرة في الفترة المقبلة قد تصل إلى حد التقسيم والصدامات الطائفية والعرقية، وسط غياب أميركي تام مشوب بعجز عن الفصل بين الفرقاء المتناحرين، في حلقة جديدة من حلقات «اللامبالاة الأوبامية»، كنتيجة للانسحاب الطوعي المقدم على طبق من ذهب لدول الجوار التي ملأت فراغ العم سام.

روسيا والصين

وتوصف روسيا كنموذج فاقع لتقهقر أميركا في عهد أوباما. فللمرة الأولى منذ عقدين، سمع صوت موسكو في مجلس الأمن عبر «الفيتو» السوري. لم يكن ذلك «الحق» سوى عاقبة للأمنيات الرغبوية التي صبغت فكر إدارة الرئيس الأميركي بإعادة إطلاق العلاقات مع روسيا، الأمر الذي مكن الكرملين من التمدد في غير بقعة من العالم كانت تعتبر ساحة خلفية للبيت الأبيض، مثل أميركا الجنوبية، وحقل تجارب للروس، كآسيا الوسطى والقوقاز، حتى تمادى بالتهديد بضربة استباقية، على النمط الأميركي، للدرع الصاروخية التي تبغي واشنطن نشرها في أوروبا.

والحال، أن تمدد موسكو مرده إلى التراجع الأميركي أكثر منه إلى عوامل موضوعية مرتبطة بالداخل الروسي، ومنسوبه مرشح إلى الارتفاع، لا سيما أن كل التوقعات تشير إلى أن أوباما سيكون «متحرراً» أكثر حيال تنازلات خلال ولايته الثانية، وهو ما تعهد به شخصياً للرئيس الروسي السابق ديمتري مدفيديف.

والأخطر من ذلك كله أن رغبة الإدارة الأميركية في تخفيض النفقات العسكرية بما يعاد 510 مليارات دولار على مدى الأعوام العشرة المقبلة، تضاف إلى 800 مليار خفضت فعلاً بين 2008 و2012، ستعني جيشاً أميركياً هو الأقل عدداً منذ الحرب العالمية الثانية، براً، والأقل عدداً منذ الحرب العالمية الأولى، بحراً، في وقت تزيد روسيا من إنفاقها العسكري وصادرات الأسلحة، وتطور كوريا الشمالية ترسانة الصواريخ البالستية التي تقدر التسريبات الأمنية أنها أضحت تصل إلى جزر هاواي.

أما الصين، المتوسعة أفريقياً والساعية إلى وضع قدم في أفغانستان، فزاد نفوذها في الولايات المتحدة اقتصادياً حتى أضحى المحللون يتحدثون عن «شبه تواطؤ» بين أوباما وبكين التي أصبحت ثاني قوة اقتصادية في العالم. فمثلاً، لم تبد الإدارة الأميركية أي نزعة للضغط على الصين من أجل أن تعوم عملتها اليوان.

الرفض الصيني يأتي لسبب بسيط هو أن التعويم سيزيد من قيمة العملة لتتجاوز الدولار، ما يعني في هذه الحالة ارتفاع تكلفة المنتجات الصينية عن الأميركية، وتالياً انخفاض نسبة الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة التي تعادل 17 في المئة من إجمالي صادراتها.

وأكثر من ذلك، تملك الصين 1.15 تريليون دولار من سندات الخزينة الأميركية، وهو ما نسبته الخُمس. أي أن قيمة الدولار في السوق هي رهن إشارة بكين، التي غزت الولايات المتحدة إلى الدرجة التي بات معها عدد المطاعم الصينية، على سبيل المثال، يقارب عدد مطاعم الوجبات السريعة الأميركية في ولاية تقع في الوسط الغربي الريفي مثل كنتاكي.

ميانمار وباكستان

وتبقى ميانمار وباكستان شاهدتين على الجانب الإيجابي من عهد أوباما. ففي ميانمار، نجحت مقاربة الولايات المتحدة في دفع الطغمة العسكرية الحاكمة إلى إجراء إصلاحات تلخصت في تقليص صلاحيتها والإفراج عن زعيمة المعارضة أونغ سان سوتشي وإجراء انتخابات حرة، فيما تظل الأعين شاخصة نحو الانتخابات العامة في 2015، التي ستثبت بلا شك مدى صوابية وجهة نظر أوباما في مد اليد نحو الأنظمة العسكرية المستبدة، على اعتبار أنه خصها بأول زيارة خارجية بعد أسبوعين من إعادة انتخابه.

أما في باكستان، فمع مواصلة غارات الطائرات دون طيار وقتل الوحدات الخاصة لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، تمكنت واشنطن من ترسيخ مذهب «الحرب الصغيرة الخفية» المتمثل بالاعتماد على فرق نخبة تنفذ عمليات سريعة بغطاء جوي فعال دون الحاجة إلى خوض حروب بجيوش جرارة تدوم فترة طويلة.

النجاح في باكستان، شجع أوباما على اتباع منهج مشابه في اليمن، أتى أكله أيضاً. ويقيناً، أن الإدارة الأميركية الجديدة ستوسع وتكثف من غارات «الدرون» وسترفعها شعاراً في باكستان واليمن في الأعوام الأربعة المقبلة.

فراغ ومشهد

وفي كل الأحوال، فإن الفراغ الكبير الذي خلفته إدارة أوباما في مناطق الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى عبر نفض يدها من سوريا والعراق وأوكرانيا وجورجيا وقرقيزستان وأفغانستان، مفسحة المجال للنفوذ الروسي والهيمنة الإيرانية، وليبيا ومالي، المتروكتين لفرنسا والإسلاميين المتطرفين، سيبقى السمة المميزة للإدارة الجديدة، بل وقد يتطور إلى مساحات أعرض، ما يعني تغير المشهد في 2016 عنه في 2012، ليبدو وكأنه الفارق بين ولاية أوباما الأولى والثانية.

 ذلك الفراغ سيملأ بالتدريج من روسيا والصين، متبوعتين بالهند والبرازيل، بينما تتقوقع أميركا بسبب خيارات أوباما وهوسه بالتخلي عن قيادة العالم.