اختيار الرئيس الأميركي باراك أوباما للسيناتور جون كيري كوزير خارجية خلفاً لهيلاري كلينتون، يؤشر إلى عنوان تعاطي الإدارة مع الملفات الدولية خلال السنوات الأربع المقبلة. فالرجل الذي يقف على عتبة السبعين، سياسي تقليدي براغماتي. يعرف الساحة الدولية وله خبرة واسعة في شؤونها بحكم عضويته لأكثر من عقدين في لجنة العلاقات الخارجية، التي صار رئيسها منذ 2009، في مجلس الشيوخ. يتعامل مع الملفات من باب حلحلة أو تفكيك ألغامها الفرعية والطارئة. ليس صاحب توجهات أو مقاربات متكاملة تحكم مواقفه وطروحاته في هذا المجال، لعب دور المجرّب والمسهّل للعلاقات مع أكثر من عاصمة. أزاح من طريقها بعض العقبات، يؤمن بفعالية العمل والتحرك الدبلوماسي، نجح أحياناً ولو جزئياً، كما كانت الحال مع إسلام أباد. وأخفق أحياناً أخرى، كما جرى له مع دمشق التي بقي يراهن على خط رئيسها الإصلاحي لغاية أن كشفت الحرب الأهلية وهمه.
إجمالاً ينتمي كيري إلى الخط المناوئ للحروب. بعد خدمته في فيتنام عاد العام 1971 ليتصدر حركة الاعتراض على الحرب، ثم عارض العمل العسكري العام 1991 لتحرير الكويت، في 2002 وافق على استخدام القوة ضد العراق، لكن عندما تبيّن أن ذريعة أسلحة الدمار كانت خادعة، عاد وانقلب ضدّ إدارة بوش.
مساندة إسرائيل
بيد أنه بقدر ما هو محسوب على الخندق السلمي، بقدر ما هو مؤيد بقوة لإسرائيل. سجلّه في مجلس الشيوخ يفيض بالتصويت لصالح الدولة العبرية وتوفير كل أشكال الدعم لها والإغداق عليها بالمساعدات. اعتاد على تصويب إصبع الملامة إلى القيادة الفلسطينية باعتبارها «فاشلة». تغطية مموهة لإسرائيل وإجهاضها لكل محاولات التسوية السلمية. للتعويض عن هذا الانحياز، عارض حصار غزة ووقف مع «الدولتين» واعترض على المستوطنات، لكن بالكلام فقط. فما أن أبدى أوباما تفهمه للمطلب الفلسطيني بتجميد الاستيطان كشرط للتفاوض، حتى سارع السيناتور إلى تسجيل مثل هذا التفهم كمأخذ على الرئيس الأميركي، بزعم أنه «كان بالإمكان التفاوض على المسائل الأخرى حتى ولو تواصل بناء المستوطنات». موقف رخيص وساذج.
موافقة مضمونة
كيري، المضمونة موافقة مجلس الشيوخ على تعيينه، وجه مألوف في الشرق الأوسط والعالم. مطلع على ملفات اللحظة الدولية الراهنة. مواقفه معروفة عموماً، ومرشح ليكون رجل المهمات الدبلوماسية أكثر منه صاحب وواضع السياسات ليتولى إدارة الأزمات القائمة. هكذا يقول تاريخه. ينتمي إلى مدرسة أوباما الحوارية نفسها. مدرسة رؤيتها أفضل من سابقتها، لكنها تتراجع في الترجمة، ولا تعمل بنهج الاقتحام. كيري ليس جيمس بيكر من هذه الناحية، ولو أن هذا الأخير لم يفلق الذرة عندما كان في الحكم، لكنه كان يقوى على الطرح والإصرار. ويقول بعض العارفين أن «علاقات كيري وأوباما ليست وديّة» بالدرجة المطلوبة وبما يكفل أن يحظى الوزير بالأذن الصاغية للرئيس؛ على اعتبار أن هذا الأخير هو بالنهاية مقرر السياسة الخارجية. لكن لا شيء يمنع تطوير الكيمياء الشخصية بينهما، تماماً كما حصل بين أوباما وكلينتون في البداية. التحديات أمام وزير الخارجية الجديد، الثامن والخمسين في تاريخ أميركا، كثيرة وعاتية. الاعتقاد أنه يفلح إذا تمكّن هو والإدارة من الحدّ من خطورتها.
