شهدت عدة ولايات أميركية، في الشهرين الأخيرين؛ حملة تواقيع على عرائض تطالب بالانفصال الاختياري عن الولايات المتحدة. تصدّرت الموجة ولاية تكساس، حيث وصل عدد الموقعين من سكانها على العريضة، حوالي 120 ألفاً، من أصل 25 مليون ونصف نسمة، وهو العدد المطلوب لرفع الطلب إلى البيت الأبيض، الذي لم يصدر عنه بعد أي ردّ، بالرغم من مرور مهلة الشهر على تسلّمه العريضة الانفصالية، لكنه وعد بالإجابة التي تفرضها القواعد المعمول بها ومن المتوقع صدورها في أي وقت وطبعاً بالرفض.
رافق ذلك، خلال الأيام التي أعقبت انتخابات الرئاسة الشهر الماضي، موجة عرائض مشابهة في عدد من الولايات الجنوبية، خاصة جورجيا وفلوريدا والاباما وتانسي ولويزيانا، تراوحت التواقيع عليها بين عشرين وثلاثين ألفاً، كما حملت المواقع الالكترونية تعهدات بدعم وتأييد هذا التوجه، في كافة الولايات، لكنها بقيت في حدود المئات فقط.
السبب أو بالأحرى «المحفّز» المباشر، على حدّ تعبير دانيال ميللر، زعيم حركة الانفصال في تكساس، كان فوز الرئيس أوباما. وبذلك كانت العرائض ردة فعل فورية من جانب قواعد وقيادات اليمين الانعزالي المتزمت والمعادي، الذي لا يطيق رؤية أوباما في البيت الأبيض، كما لا يطيق أصلاً فكرة الدولة الاتحادية ودورها وحضورها في حياته. فورة لكنها لم تسقط من سماء زرقاء، هي امتداد لنزوع أخذ تعبيرات وأشكال مختلفة وليس فقط ردّ فعل على نتيجة الانتخابات، مع ذلك لم يقو مرة طوال عمر الاتحاد، على ترجمة نفسه على أرض الواقع، مرة واحدة في تاريخ أميركا، جرت محاولة انفصال جدّيه، لكنها تسببت بحرب أهلية طاحنة طلعت منه قوى الانفصال مندحرة، قبل 150 عاماً.
نزعة قديمة
نزعة الانفصال في أميركا قديمة، رافقت عملية بناء اتحادها، من البداية. كانت المستعمرات الـ 13 التي شكلت نواة الاتحاد، بحاجة إلى صيغة وحدوية تجمعها وتنظم علاقاتها وتمنحها المزيد من القوة والموارد لبناء دولة والخلاص من الاستعمار البريطاني. في نفس الوقت، تهيّبت تلك المستعمرات ــ الولايات لاحقاً ــ قيام التجربة الاتحادية، بما هي سلطات وصلاحيات تحدّ من استقلالها وتلزمها بموجبات وقيود. ومن هنا كانت محاولاتها لترك خط الرجعة مفتوحاً إذا شاءت الانسلاخ لاحقاً. في ذات الوقت حرص الاتحاديون على إقامة اتحاد متماسك ومحصّن ضد التفكك والانسحاب منه لأي سبب.
في العام 1780 وافقت هذه المستعمرات، الولايات الـ 13، على دستور يجمعها في وحدة كونفدرالية، يحفظ لكل منها استقلالها، لكن التركيبة تهاوت ليأتي على أنقاضها البديل الفيدرالي بدستور جديد لاتحاد بحكومة مركزية، خلا هذا الدستور، المعمول به حتى الآن بعد إدخال 27 تعديلاً عليه، من أي نصّ صريح بـ «أبدية الاتحاد». لكن الاجتهادات الدستورية تقول إن مثل هذا القصد كان «ضمنياً»، لأن الغرض من الصيغة الفيدرالية كان خلق اتحاد قادر على الاستمرار، ثم ان مجرد مغادرة الولايات للكونفدرالية ودستورها والانضمام إلى الاتحاد مع الموافقة على دستوره، معناه تنازل الولايات عن استقلالها وعدم جواز العودة إليه.
صحيح أنه في بيان إعلان الاستقلال، العام 1776 ورد نصّ «يجيز تغيير السلطة إذا ما تحوّلت إلى أداة تهدّد الحقوق الأساسية للمواطن». يعني ذلك حسب تفسير المؤرخين «إعلان لحق الثورة على الحكومة المعتدية على حقوق الولاية أو قمعها وتحويل أهلها إلى محكومين تحت قبضة الاستبداد، بل يصبح من الواجب التخلص من مثل هذه الحكومة»، يعني الانفكاك عنها. لكن مثل هذا الاجتهاد لم يحسم الجدل بشأن جواز الانفصال أو عدمه. فريق كان يرى أن «الاتحاد الجديد تشكّل من ولايات تخلّت عن سيادتها وهويتها إلى الأبد»، وآخر بقي يقول أن «الاتحاد الفيدرالي مؤلف من ولايات مستقلة لأغراض محددة كانت قائمة في حينه ويمكنها الانسحاب منه متى شاءت». المحكمة الفيدرالية الأعلى في أميركا قضت بمنع الانفصال الاختياري من جانب واحد.
الحرب الأهلية
بقي الأخذ والرد بشأن الموضوع يتفاعل ولغاية انفجاره العام 1860 بين الشمال والجنوب. مشكلة العبودية كانت الصاعق. لكن الأرض كانت خصبة للانفصال، بين جنوب يريد التحرر من الحكومة الفيدرالية والاحتفاظ بالعبودية لأسباب عنصرية واقتصادية وبين شمال ممانع. إصرار الرئيس لنكولن على إنقاذ الاتحاد انتهى إلى هزيمة الانفصال بعد خمس سنوات، بكلفة أكثر من نصف مليون قتيل. منذ ذلك الحين انطوت صفحة الانفصال، لكن ثقافتها بقيت متوارثة في عدة مناطق جنوبية، ومن وقت إلى آخر تعود لغتها إلى التداول، وإن الجانبين أحياناً من باب التذكير بأن النغمة ما زالت على قيد الحياة.
وأحيانا من جانب قوى في ولايات معروفة بميولها الانفصالية تاريخياً مثل تكساس وكارولينا الجنوبية التي كانت الولاية الأولى من بين الـ 11 المنفصلين التي أعلنت انفصالها عشية الحرب الأهلية والتي لا تزال ترفع على الكونفدرالية إلى جانب العلم الأميركي، ولم يكن مفاجئاً أن تصدر مؤخراً قائمة التواقيع الأطول من تكساس، ويزعم أصحابها أن ولايتهم بمقدورها تدبير شؤونها كدولة مستقلة.
اقتصادها يحتل المرتبة 15 في العالم ولا تحتاج الاتحاد الذي يقول هؤلاء إنه صار «عبئاً عليهم». كما لا تخفي حركتهم أن التجديد للرئيس أوباما حملهم إلى الإسراع في طلب الانفصال. علماً بأن وثائق انضمام تكساس إلى الاتحاد بعد انفصالها عن المكسيك في 1836، تخلو من أي ذكر لحقها في الانسلاخ لاحقاً عن أميركا.
وإذا كانت تكساس معروفة أكثر من غيرها بحركاتها الانفصالية، إلاّ أنها ليست وحيدة، فقد جرت محاولات انفصالية حتى داخل ولايات أخرى، خاصة في الجنوب. مناطق من ولايات فيرجينيا وكنتاكي وتانسي، حاولت الانسلاخ عن الولاية الأم. وحتى الشمال مثل ولاية نيويورك والغرب مثل جنوب كاليفورنيا، شهد مثل هذا التوجه. محاولات كثيرة جرت، منها ما لاقى النجاح مثل انفصال غرب فيرجينيا عن فيرجينيا وصارت ولاية بذاتها. ومنها فشل في الاستفتاء أو المحاكم.
استياء من واشنطن
في الوقت الحاضر هناك عامل آخر ساهم في إحياء هذا النزوع: الاستياء من واشنطن مركز الحكومة الفيدرالية وخاصة من الكونغرس. رصيده لدى الرأي العام بين 9 و11 في المئة فقط ومشاكساته وشبه ارتهانه للمصالح الكبرى وكتلها الضاغطة، صارت مصدر رفض واستياء واسعين.
لكن مع كل ذلك تبقى تعبيرات الانفصال رمزية، هي ترجمة لعدم الرضى ولميل استقلالي نرجسي أكثر ما هي تصميم قاطع على المغادرة، على الأقل بحكم ترابط المصالح والانتماء إلى بلد بحجم دولة عظمى توفر لمواطنيها من الامتيازات ما لا تحظى به شعوب أخرى، أو في أحسن أحوالها تبقى هذه الحركات عاجزة عن تعبئة كتل شعبية وازنة باتجاه الانفصال، ثم هي أعجز من أن تحصل على موافقة واشنطن على خطوة من هذا النوع، كما أنها لا تتجرأ على تكرار تجربة الانفصال من جانب واحد، في ضوء ما جرى العام 1860. مع ذلك فهي بالنسبة لمعظم الأميركيين مزعجة ومحرجة.
ميزانية دفاعية
وافق مجلس النواب الأميركي أول من أمس، على النسخة النهائية من مشروع القانون السنوي لسياسة الدفاع الذي يوافق على انفاق دفاعي قدره 633.3 مليار دولار لعام 2013 ويخفف القيود على صادرات الأقمار الصناعية ويتيح نشر المزيد من جنود مشاة البحرية لحماية البعثات الدبلوماسية الأميركية في الخارج. ووافق المجلس الذي يسيطر عليه الجمهوريون على المشروع في اقتراع بأغلبية 315 صوتاً ضد 107 أصوات. ومازال يتعين أن يوافق مجلس الشيوخ على المشروع قبل أن يمكن إرساله الى الرئيس بارك أوباما لتوقيعه ليصبح قانوناً نافذاً. أ.ب
