مع استمرار العمليات العدائية بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة، أعربت المتحدثة باسم الخارجية الصينية هوا تشون ينغ عن "بالغ قلق" الصين إزاء العملية العسكرية الموسعة التي تشنها إسرائيل، وأدانت بشدة الإفراط الإسرائيلي في استخدام القوة الذي اسفر عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين الفلسطينيين الأبرياء.

وحثت المتحدثة الصينية الأطراف المعنية، ولا سيما الجانب الإسرائيلي، على الألتزام بأقصى درجات ضبط النفس تجنبا لتصعيد حدة التوترات، والوقف الفوري لاطلاق  النار.

كما أكدت تأييد الصين للموقف العادل الذي تتخذه الدول العربية تجاه قضية فلسطين، وأعربت عن تقدير الصين البالغ وتأييدها للجهود التي تبذلها مصر والدول الأخرى في المنطقة وجامعة الدول العربية بغية إحتواء الوضع الحالي المتأزم.

وكانت هذه التصريحات الصادرة عن وزارة الخارجية الصينية الثانية من نوعها  منذ اندلاع  الصراع  الحالي في قطاع غزة،وتعكس بوضوع الموقف الثابت والدائم الذي تتخذه الحكومة الصينية لدعم قضية فلسطين العادلة والتضامن مع الشعب الفلسطيني ضد العدوان الإسرائيلي الغاشم. ويتضح جليا إختلاف  هذه التصريحات تماما عن لهجة التصريحات الأمريكية المنحازة بشدة لإسرائيل بحجة دعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، متجاهلة ما قد يتمخض عن ذلك من خسائر فادحة في أرواح المدنيين الفلسطينيين الأبرياء .

وبالطبع، لا  أحد ينكر مدى أهمية الأمن بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي، حيث اطلق المسلحون الفلسطينيون في قطاع غزة حتى الآن ما يزيد على ألف صاروخ على إسرائيل سقط بعضها في تل أبيب وضاحية القدس، ولقى ثلاثة  إسرائيليين مصرعهم  منذ بدء هذا التصعيد. ومن هنا، حصلت إسرائيل على ضوء أخضر من الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية للرد على تلك  الهجمات الصاروخية.

لكن هل يحق لإسرائيل قتل الأطفال والنساء أثناء ردها العسكري على صواريخ حماس؟

يذكر أن إسرائيل شنت غارات جوية على أهداف متفرقة بقطاع غزة في إطار عملية عسكرية تحمل اسم "عمود الدفاع" بدأتها الأربعاء الماضي، وأسفرت حتى اليوم السادس من حملة إسرائيل العسكرية عن سقوط أكثر من 100 قتيل وحوالى 1000 جريح في صفوف الفلسطينيين وتدمير أكثر من 600 منزل منها 50 منزلا  تم تسويتها تماما بالأرض . وأعلن الجيش الإسرائيلي يوم الاثنين انه أصاب أكثر من 1350هدفا منذ بدء العملية العسكرية في قطاع غزة حيث امتدت الغارات الجوية لتطال المساجد والمقابر في قطاع غزة.

ومن المؤسف والمفزع  أن 9 من عائلة الدلو من بينهم 5 أطفال كانوا قضوا في غارة جوية إسرائيلية على منزلهم في حي النصر شمال غرب مدينة غزة، وانتشل مسعفون أشلائهم  من تحت الأنقاض.

وتثير هذه الحادثة التي أبيدت فيها عائلة بأكملها في الأذهان  سؤالا ملحا: هل أطفال عائلة الدلو ينتمون لحماس أو الجهاد الإسلامي ؟ هل يشكلون تهديدا على أمن إسرائيل؟ وما الذنب الذي اقترفه هؤلاء  الأطفال والنساء الأبرياء؟

إذا كانت إسرائيل قادرة على تنفيذ عملية اغتيال دقيقة باغتيال قيادي بارز في حركة حماس وهو يستقل سيارته، فكيف سيتسنى لها تفادى إصابة أهداف مدنية، وكيف ستستطع تجنب سقوط خسائر في أرواح النساء والأطفال؟

فمن الواضح تماما انه ليس هناك تكافؤ في القوة في النزاع الجاري بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، إذ اظهرت إسرائيل مرة أخرى تفوقها العسكري بما تشنه من غارات جوية على القطاع . وهذا ما جعل المجتمع الدولي يوجه نقدا شديدا لإسرائيل لإفراطها في استخدام القوة، ويؤكد تعاطفه وتضامنه مع الشعب الفلسطيني

ومع قيام إسرائيل منذ بضعة أيام باستدعاء 75 ألفا من جنود الاحتياط  ونشر ناقلات جنود مدرعة وجرافات ودبابات على الحدود مع قطاع غزة، تتزايد المخاوف من احتمال توجه إسرائيل نحو شن عملية برية ضد قطاع غزة وتكرار السيناريو السابق الذي شهده القطاع  في شتاء 2008-2009، حيث اسفرت عملية "الرصاص المصبوب" الإسرائيلية عن مقتل حوالى 1400فلسطيني، معظمهم من المدنيين.

بيد أن عملية "الرصاص المصبوب" لم تضع حدا نهائيا لاطلاق  الصواريخ من غزة. فهل لنا أن نتصور أن عملية "الرصاص المصبوب" الثانية ستستطيع القضاء على التهديد الصاروخي من قطاع غزة على إسرائيل بشكل تام؟ وهل تجرؤ إسرائيل على احتلال قطاع غزة مرة أخرى وابتلاع   قواعد حماس والجهاد والفصائل المسلحة الفلسطينية بشكل نهائي؟

يبرهن التاريخ والواقع على أن سياسة "العين بالعين" و"العنف بالعنف" لن تصل بتسوية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي سوى إلى طريق مسدود ولن تؤدي سوى إلى تأجيج مشاعر الحقد والكراهية بين الشعبين وسفك المزيد من دماء الأبرياء . ان الحرب ليست خيارا ولن يخرج طرف فائز من العنف، سواء كانوا الإسرائيليين أو الفلسطينيين.

ومن المؤكد أن النزاع الجاري بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية ستكون له عواقب وخيمة على الأوضاع  في منطقة الشرق الأوسط  برمتها. ومن بين تلك العواقب ما يلى: أولا ، سيعرقل عملية السلام  في الشرق الأوسط المتجمدة منذ فترة طويلة؛ ثانيا، قد يلحق أضرارا بعلاقات إسرائيل الهشة مع مصر والأردن في الوقت الذي تتعرض فيه الدولتان لضغوط من شعبيهما لمساندة فلسطين؛ ثالثا، قد يثير الاضطرابات والفوضى على نحو أكبر في المنطقة.

إن قضية فلسطين تشكل جوهر عملية السلام في الشرق الأوسط ، ولا يمكن تحقيق السلام  في المنطقة إلا  بتسوية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي أولا. وخلال السنوات الماضية، باتت قضية فلسطين ممهشة جراء الاضطرابات  التي اجتاحت غرب آسيا وشمال أفريقيا. لكن النزاع الجاري بين إسرائيل والفلسطينيين بدأ من جديد يشغل الجميع من كل صوب وحدب وبات مثار اهتمام بالغ من قبل المجتمع الدولي.

والآن تتكثف الجهود الدبلوماسية الدولية لوقف اطلاق النار بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. ومن المأمول أن يضطلع المجتمع الدولي بمسؤولياته في حفظ السلم والأمن في منطقة الشرق الأوسط، كما ينبغى على الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني اغتنام كل فرصة تتاح في الأفق للتوصل إلى إمكانية وقف إطلاق  النار وتفادي إنزلاق الوضع إلى هاوية كارثية.