أن تكون لمسؤول أميركي كبير عشيقة سريّة، ليس بالأمر الغريب. فهذا سلوك مألوف وإن كان غير مقبول، في أوساط الطبقة السياسية الأميركية. وقد عرفته واشنطن بأشكال ثلاثة: بقاء العلاقة مستورة، كما كانت الحال مثلاً مع الرئيسين روزفلت وكينيدي. وإما انكشاف أمرها من غير أن تؤدي إلى استقالة صاحبها من منصبه، كما جرى مع الرئيس بيل كلينتون. وإما أنها أدّت إلى انسحاب الخائن الزوجي بطريقة مخزية من الحقل العام، بعد افتضاح علاقته؛ كما جرى مع مستشارين ونواب وأعضاء في مجلس الشيوخ وحكام ولايات ومسؤولين كبار وحتى عسكريين كان آخرهم، قبل أيام، الجنرال ديفيد بترايوس مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي.آي.إيه) الذي قدّم استقالته مطلع هذا الأسبوع؛ لتورطه بفضيحة من هذا النوع.
لكن سقوط الجنرال بترايوس المفاجئ كان له وقعه المدوّي أكثر من أي فضيحة أخرى من هذا الصنف. فهو غير مسبوق بملابساته وظروفه ومتفرعاته، فضلاً عن ما كشفه من شطط في السلوك والصلاحيات وتسخير الموقع لعلاقات شخصية مع ما يعكسه ذلك من ارتفاع لمنسوب الانفلات والفساد في مؤسسات حساسة تتولى شؤون الأمن، الخارجي والداخلي. ومن هنا قوة الصدمة التي ضربت واشنطن وإدارة أوباما التي خرجت لتوّها من معمعة الانتخابات لتواجه تداعيات قضية مركّبة مربكة وغير متوقعة. فالرجل يشغل موقعاً يرتبط بعصب الأمن القومي. ثم قبل ذلك هو عسكري منضبط وله اسم ورصيد كبيرين في واشنطن، منذ توليه قيادة القوات في العراق ثم في أفغانستان. ربما ساهم ذلك في تورطه من باب أنه صار محصناً وبعيداً عن الشبهات. لكن هذا الرصيد لم يشفع به. الفضيحة أطاحت به مثل كثيرين من أمثاله. وكان يمكن الحدّ من الآثار السلبية، لو اقتصر الأمر على وجود عشيقة. لكن العلاقة التي نسجها الجنرال مع الكاتبة بولا برودويل منذ أيامه في أفغانستان والتي بدأها معها بعد تعيينه مديراً لوكالة الاستخبارات، كشفت عن تفرعات وعلاقات وشخصيات أخرى تمادت في الخروج عن مهامها مما وضع حولها علامات استفهام، متروك حسمها للتحقيق. وبذلك صارت الفضيحة بدهاليزها أقرب إلى الأفلام البوليسية.
العشيقة الغيورة غلبها هاجس الظنّ بسيدة جيل كاللي تربطها صداقة بالجنرال بترايوس وعائلته، بدت لها وكأنها تحاول مزاحمتها على عشيقها. طاردتها بسيل من الإيميلات الخشنة والمجهولة العنوان. شكت كاللي أمرها إلى مسؤول تعرفه في مكتب التحقيق الفيدرالي ( إف.بي.آي) اندفع هذا الأخير وكشف أن برودويل هي صاحبة العنوان المجهول وأنها على علاقة مع بترايوس. على الفور طلب المكتب من هذا المسؤول رفع يده عن الملف، بسبب صداقته مع كاللي. والمعروف أن هذه الأخيرة تعيش مع زوجها في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، حيث مقرّ قيادة المنطقة الوسطى التي تشرف وتدير الحروب في الشرق الأوسط وجواره. وقد نسج الزوجان علاقات واسعة مع كبار ضباط هذا المقر، كما مع مسؤولي الأمن في المدينة، من بينهم بترايوس والجنرال جون ألن قائد القوات حالياً في أفغانستان ومسؤول الأف.بي.آي. رغم من مطالبة هذا الأخير بالكف عن متابعة ملف الإيميل، إلاّ أنّه سرّب الموضوع إلى زعيم الأكثرية في مجلس النواب، الذي سارع إلى مفاتحة مدير مكتب التحقيق الفيدرالي بالأمر من باب أنه كان على المكتب وضع الكونغرس في الصورة حين عرف بسيرة العلاقة بين بترايوس وبرودويل.
زاد الطين بلّة عندما تبيّن أن كاللي طلبت من الجنرالين دعم شقيقتها، في دعوى بينها وبين زوجها حول الولاية على ابنهما بعد طلاقهما. وأذعن كلاهما للطلب ورفع كلّ منهما كتاباً إلى القاضي الذي ينظر في القضية، كان بمثابة شهادة حسن سلوك بالشقيقة.
أكثر من ذلك، تبيّن أن الجنرال ألن، خليفة بترايوس في قيادة القوات في أفغانستان؛ راسل السيدة كاللي بمئات الرسائل الالكترونية؛ حول مواضيع شتّى، يقال إن بعضها " لم يخل من لغة المداعبة والتحبب ". التحقيق لم يصل بعد إلى الجزم بوجود علاقة أو محاولة لمدّ جسور علاقة.
ليس ذلك فحسب، بل إن برودويل سبق لها أن قالت بعد حادثة بنغازي بأن مهاجمة مقر القنصلية في المدينة الليبية «ربما كان من باب الردّ على قيام السي.آي.أيه باحتجاز عناصر من المتطرفين في ليبيا». معلومة حسبها المراقبون، في حال صحتها، بأنّ برودويل سمعتها من عشيقها بترايوس. الأمر الذي زاد من الشكوك بأن العلاقة، التي ليست بمصاف المخالفة بموجب القانون الأميركي، ربما تكون قد مسّت بقضايا الأمن القومي الأميركي، المؤتمن الجنرال بترايوس على جانب مهم منه.
بالنهاية، كانت الفضيحة بجنرال صارت تقريباً بجنرالين. كانت بعشيقة صارت تقريباً باثنتين. أو على الأقل بواحدة وأخرى موضع طموح لأن تكون معشوقة. كانت برئيس وكالة التجسس، صارت إضافة إليه بمن تجسس عليه؛ ليس حماية لموقعه وللمصلحة الوطنية بقدر ما كانت من باب خدمة غريمة عشيقة الجنرال، السيدة كاللي.
تشقّق خطير
بعيداً عن التعقيدات البوليسية للفضيحة، تبقى الأهمية في مدلولاتها التي أقلقت الكثيرين من صنّاع القرار والرأي في واشنطن. ذلك أنّها تؤشر إلى وجود تشقق خطير في جدار المؤسسات الأمنية، الخارجية والداخلية. طغيان العلاقات الشخصية على الضوابط والفصل بين الشخصي والعام، أثار تساؤلات كثيرة: هل مارست العشيقة ابتزاز الجنرال المتربع على قمة أهم وكالة استخبارات أميركية؟ هل بحوزتها معلومات أخرى؟ والأهم، هل هي عميلة مزدوجة؟ ثم لماذا يقضي الجنرال جون الن قسما كبيرا من وقته الثمين لتحرير الإيميلات إلى السيدة كاللي وهو المفترض أن وقته بالكاد يكفيه للانصراف إلى مهامه في قيادة الحرب وعملياتها في أفغانستان؟ ولماذا يتبرع الجنرالان بتحرير توصية إلى المحكمة، بشقيقة السيدة كاللي وهما يعرفان أن ذلك يخرج عن المألوف ولا تعيره المحكمة أي اعتبار؟ وأخيراً لماذا كل هذا الاندفاع من جانب ضابط في الأف.بي.آي لخدمة السيدة كاللي ومن وراء رؤسائه الذين طلبوا منه الابتعاد عن هذا الملف؟ بل لماذا تجاهلت إف.بي.آي إبلاغ الإدارة والكونغرس بالأمر؟
الاسئلة قد يرد عليها التحقيق المتعدد الجوانب. لكن المؤكد ان الفضيحة قضّت بأبعادها مضاجع المسؤولين لأن هناك خللاً متعدد الجوانب كشفت عنه هذه الفضيحة. هذا في حدود المكشوف حتى الآن. وبانتظار ما قد تطلع به الأيام المقبلة من معلومات.
أوباما: لا تأثير
أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما ان الفضيحة التي كلفت ديفيد بترايوس منصبه، لم يكن لها عواقب على الأمن القومي للولايات المتحدة، كما دافع بحماس عن سفيرته لدى الامم المتحدة سوزان رايس في قضية الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي.
وصرح اوباما في مؤتمر صحافي: «ليس لدي دليل في الوقت الحالي بناء على ما اطلعت عليه بأنه تم تسريب معلومات سرية يمكن ان تؤثر بأي شكل سلبي على أمننا القومي».
وتابع أوباما، في اول مؤتمر صحافي له منذ اعادة انتخابه رئيسا للبلاد في السادس من نوفمبر، ان التحقيق جار. وقال: «لا اريد التعليق على تفاصيل التحقيق حول الجنرال بترايوس».