عادة بعد التجديد للرئيس الأميركي، تبتعد الإدارة عن الأضواء لفترة نقاش داخلي ومراجعة وتلتزم الصمت بخصوص ما قد ترسو عليه في مجال ترتيب أولوياتها وتبديل رجالاتها ومدى اعتزامها على التعديل في توجهاتها أو الحفاظ على الاستمرارية فيها. خاصة في ما يتعلق بفريق طاقمها المنوطة به شؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية.

 لكن ذلك لا يمنع المتابعين والمعنيين في هذا الحقل من إطلاق التكهنات والترجيحات المبكرة، حول السياسات والتشكيلات المرتقبة في الإدارة القادمة. وولاية أوباما الثانية لا تشذ عن هذه القاعدة. بعد أقل من 24 ساعة على إعلان نتائج الانتخابات، بدأت تتوالى أسماء المرشحين لحقيبة وزارة الخارجية. منها ما هو مطروح للتمويه. ومنها أسماء واردة بصورة جدّية ومحسوبة على أوباما أو مرغوب تقريبها من مطبخ القرار. ولا يستعصي ترتيب حظوظها مهما كانت دائرتها واسعة، بفضل حنفية التسريب التي يصعب سدّها في واشنطن، مهما أحيطت الترتيبات بالسرية.

كلينتون وكيري

على رأس اللائحة لمع اسم رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السناتور جون كيري، كأبرز المرشحين لشغل هذا الموقع بعد هيلري كلينتون العازمة على ترك منصبها. وكان اسمه برز عندما أعلنت الوزيرة قبل عدة شهور بأنها تعتزم التقاعد مع نهاية ولاية الرئيس الأولى. وكرّرت أوساطها أنها ليست في وارد إعادة النظر بقرارها هذا وأنها متمسكة بمغادرتها القريبة.

السؤال: كم هي قريبة؟ «لا أعتقد بأن الوزيرة في طريقها إلى المغادرة القريبة رغم قولها الواضح بأنها تاركة»، على ما يقول دانيال سارور أستاذ الدراسات الدولية في جامعة جون هوبكنز بواشنطن. التعليل أن البديل جون كيري لا يستغنى عنه الآن في الكونغرس ويمكن أن يؤدي انتقاله إلى الخارجية إلى خسارة مقعده في مجلس الشيوخ لصالح الجمهوريين. لذلك «لا أعتقد أن الإدارة ستقدم على مثل هذه المجازفة الآن» كما قال.

لكن الشائع أيضاً في واشنطن أن الوزيرة ليست في وارد البقاء للولاية الثانية «لأنها تعتزم الانصراف إلى التحضير لخوض معركة الرئاسة عام 2016 ». ولذا قد تمدّد بقاءها لفترة وإذا أصرّت على تسريع رحيلها، يقال إن اسم نائبها وليام بيرنز، مطروح كبديل لها. في هذا السياق كانت أسهم السفيرة في الأمم المتحدة سوزن رايس، عالية في سوق الترشيح لهذه الحقيبة. لكن تعاملها مع حادثة بنغازي وما أثاره من انتقادات لاذعة، جعلها مستبعدة لتعذر حصولها على موافقة مجلس الشيوخ على تعيينها. وبكل حال ليس من المتوقع إجراء أي تغييرات حكومية قبل احتفال تدشين رئاسة أوباما الثانية، في العشرين من يناير القادم.

تكهنات

لكن بقدر ما سارع المراقبون إلى فتح باب التكهنات بشأن المرشحين لخلافة هيلاري كلينتون، بقدر ما تحفّظوا في إطلاق التوقعات حول مدى التغيير الذي يمكن أن يعتمده الرئيس في علاقات واشنطن الخارجية وفي تعامله مع الملفات الملتهبة. خاصة في الشرق الأوسط.

الاعتقاد السائد، أن الأجندة الداخلية الضاغطة ستفرض على الرئيس التمسك بالاستمرارية إلى حدّ بعيد، في سياساته الخارجية عموماً وحتى وقت لاحق. «قد يبدي بعض التشدّد مع روسيا»، يقول سارور لكن بصورة محسوبة؛ ذلك أنه «بحاجة إلى تعاون موسكو في الخفض النووي وأفغانستان وإيران». يضيف «أن الرئيس عادة يمكنه الإقدام خلال ولايته الثانية على أمور يحاذرها في ولايته الأولى . هل يفعل أوباما ما لم يفعله سابقاً بخصوص القضية الفلسطينية؟ لست أدري».

ولفت سارور إلى «تطور جديد قد يؤدي إلى فتح آفاق جديدة أمام سياسة أميركا الخارجية ويتمثل بارتفاع إنتاج النفط والغاز الطبيعي ليس فقط في أميركا بل أيضاً في بلدان تشكل مصدراً آمناً لحاجاتنا من الطاقة، مثل كندا والبرازيل وبما يخفف من الضغوط على واشنطن لتتبنى سياسات معينة في الشرق الأوسط، تحكمها الحاجة لنفط تلك المنطقة». لكن هذا على المدى الأبعد.