انتهى حبس الأنفاس قبل منتصف ليل الثلاثاء بقليل، حين نطق صندوق الاقتراع بالنتيجة: أميركا اختارت التجديد للرئيس باراك أوباما. قرار ينطوي على جملة مدلولات. في الانتخابات السابقة، قبل أربعة أعوام، أشّر فوز أوباما إلى أن حاجز العنصرية في الولايات المتحدة انكسر، من دون أن يعني ذلك أنه تمّ دحر العنصرية نهائياً.
فهي ما زالت معششة في زوايا لا يستهان بها من المجتمع الأميركي. فوز أوباما للمرة الثانية يؤكد أن أميركا تجاوزت عموماً عقدة النفور من «الأسود» بالرغم من سموم الهجوم على أوباما والتي فاحت منها رائحة العنصرية بقوة. الكاتبة آن كولتر، المحسوبة على صقور اليمين، أطلقت على أوباما وصف «متخلف عقلياً»، لكن معظم الولايات الوازنة التي رجّحت كفته، يشكل البيض القسم الأكبر من سكانها.
كما يؤشر ذلك إلى عدة حقائق أخرى: أولها أن أميركا لم تجنح نحو اليمين المتشدد بالرغم من شراسة الحملة التي شنها هذا الأخير ضدّ أوباما و«اليسار» المزعوم وما يسمى بـ«الحرب الطبقية».
الحقيقة الثانية، أن المال لا يشتري الانتخابات. فحملة مت رومني كانت غارقة بالمال. مؤيدوه خاصة من كبار الأثرياء فتحوا له حنفيات تبرعاتهم بدون حساب، لكن من غير جدوى. ثالثاً، ان الهوّة المتزايد وسعها بين القلة فوق والأكثرية تحت والتي ضربت الرقم القياسي مؤخراً، كانت حاضرة في حسم خيار الناخبين ولأول مرة في تاريخ الانتخابات الأميركية.
رابعاً، إن أميركا صارت متنوعة إثنياً واجتماعياً وصار لهذا التنوع ثقله وكلمته في الميزان الانتخابي؛ خاصة الأقليات على تنوعها والمرأة والجيل الجديد. خامساً، إن الوضع الاقتصادي الراهن لم يكن المحرّك الأساسي كما كان عادة، في خيار الناخبين، بل كان التوجه الاقتصادي هو المعيار.
وهنا تكمن تاريخية فوز اوباما. فلأول مرة ينتخب رئيس في ظلّ معدل بطالة في حدود ثمانية في المئة حالة غير مسبوقة. الحقيقة الخامسة أن بدائل رومني وحزبه كانت مفلّسة مجوّفة تدّعي الحلول وتبشّر بالانفراج لكن خطابياً وبكثير من التضليل والناخب أدرك ذلك واختار على هذا الأساس.
المفاضلة والمقارنة
فاز أوباما بالمفاضلة والمقارنة وليس بقوة انجازاته أو طروحاته. الآن بعد التجديد، الكرة في ملعبه. المهمة امامه هائلة. إذا بقي على نفس النهج الرخو، في الداخل والخارج؛ عندئذ تكون رئاسته الثانية ليس بأفضل حالاً من الأولى. عادية في أحسن أحوالها.
العقبات في طريقه صعبة. أبرزها كونغرس معاكس، في أحد مجلسيه: النواب الذي يملك الجمهوريون الغالبية فيه. لكن للرئاسة اوراقها وقدراتها الذاتية، خاصة أنه لم تعد أمام أوباما حسابات انتخابية.
لديه أربعة أعوام ليكلل فوزه التاريخي الثاني بتحولات وانجازات كبيرة هو يعرفها ويريدها. التوقعات تستبعد الاختراقات. في ضوء المناخ السياسي المتوتر السائد، هذا صحيح. لكن الحزب الجمهوري بعد هزيمته، سيكون أضعف.
لا بدّ وأن يشهد الكثير من الجدل والسجال والمراجعة. وربما عانى من تصدعات ومن تنوع في رسم خريطة طريق جديدة وهي وضعية توفر فرصة لأوباما، لكنها مرهونة بعزمه على الحسم في الاصلاحات الكبيرة، السياسية والمالية والضرائبية ومواصلة نهج رفض حروب الخارج. الآن، راحت فرحة الفوز وجاءت مرحلة التحديات العنيدة. كان أوباما في الأعوام الأربعة الماضية أقل من التوقعات.
كانت معقودة عليه آمال كبيرة. تضافرت ظروف ذاتية فوتت عليه الفرص وظروف موضوعية تهيّب مواجهتها. رئاسته كانت كناية عن إدارة أزمة. فهل يرقى في ولايته الثانية إلى مستوى القيادة التي تتجاوز الرئاسة؟.
نساء
أظهر استطلاع لـ«ابسوس/رويترز» يوم الانتخابات أن 55 في المئة من النساء انتخبن باراك أوباما مقابل 43 لمت رومني. وكان هذا الفارق الذي بلغ 12 نقطة يقارب تقريبا فوز أوباما بفارق 13 نقطة بين الناخبات على الجمهوري جون ماكين العام 2008.