تقول سيرة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته باراك أوباما إنه خليط من مخلوقين: أكاديمي وسياسي في آن. سلك مبكراً الطريقين معاً ومن دون مفاضلة. وكأنهما جانبان متلازمان في شخصيته. الأول موهبة. الثاني هاجس. تربطهما علاقة جدلية، دوغماتيته الفكرية أربكت لعبته السياسية. ولعبته هذه خذلت أحياناً، رؤيته وقناعاته الفكرية. ربما كان لظروف حياته غير العادية، تأثيرها في تكوين هذا التلازم لديه.

لم تكن طفولة اوباما سويّة عائلياً. الطلاق فصل مبكراً، بعد سنتين من ولادته، بين والديه. حُرم من علاقة الأبوة في صباه. عاش مع والدته وزوجها الاندونيسي الجديد في جاكرتا، بين 1966 و1971، ليعود بعدها إلى مسقط رأسه في هونولولو ولاية هاواي وهو في العاشرة من عمره ويعيش في كنف جدّته لأمه. في ديسمبر 71 زاره والده هناك وكانت المرة الأخيرة التي يرى فيها الابن اباه حسين اوباما. مع مطلع 1972 عادت والدته إلى هاواي لتدخل الجامعة وعاد هو للعيش معها حتى 1975، حين تخرّجت ورجعت من جديد إلى جاكرتا. وكان عليه العودة من جديد إلى دار جدته في هونولولو ليعيش معها المتبقي من سنواته المدرسية حتى 1979. ثم انتقل بعدها إلى لوس انجليس ليبدأ دراسته الجامعية وليتابعها في جامعة كولومبيا المرموقة في نيويورك والتي تخرج منها في العام 1985، بدرجة بكالوريوس في العلوم السياسية.

بعد التخرّج بدأ الفصل العملي الأول في حياته وفي المجال الذي يروي ظمأه؛ إذ انتقل من نيويورك إلى شيكاغو ليرأس أحد المشاريع التنموية المحلية غير الربحية، بموازنة بين 400 إلى 700 ألف دولار. بقي فيه ثلاث سنوات غادر بعدها، العام 1988، إلى بوسطن ليدخل كلية الحقوق في جامعة هارفارد. وهنا أيضاً بدأ فصل آخر ساهم في نقله خطوة خطوة إلى الشهرة ثم إلى المسرح الوطني فقمة الهرم.

لمع أوباما في الدراسة. تفوّقه حمله مع سنته الثانية في الكلية، إلى موقع رئاسة تحرير «مجلة هارفارد للقانون ». أهم المجلات الجامعية القانونية في اميركا. وبذلك دخل تاريخ هارفارد كأول أميركي أسود يشغل هذا الدور.

بعدها توالت عملية الصعود. فور تخرّجه من هارفارد في العام 1991، رجع إلى شيكاغو على خلفية أن درجة الحقوق « ما هي سوى وسيلة تعينه في تسهيل عمله كناشط اجتماعي ». هناك مارس العمل الاجتماعي السياسي كناشط في الهيئات والمجالس المحلية ومنها مجلس الشيوخ في الولاية (إلينوي) إلى جانب العمل كمحام واستاذ في مادة القانون الدستوري في جامعة شيكاغو بين 1992 و2004 . ومن هذا الموقع انتقل في 2005 إلى مجلس الشيوخ الفيدرالي عن ولاية إلينوي وحتى ترشحه وفوزه بالرئاسة في 2008.

والآن يبدو على طريق التجديد لأربع سنوات أخرى.

أوباما قصة فريدة وخارقة في التاريخ السياسي الأميركي. شابٌ مضطربةٌ طلعته، لجأ خلال فترة شبابه إلى تعاطي الخمرة والمخدرات ليتخلّص من عقدة الازدواجية في هويته الشخصية؛ إلى أول رئيس أميركي اسود يؤتمن وبأغلبية كاسحة على الرئاسة في 2008 ... وعلى الأرجح في