يتوجه الأميركيون اليوم الثلاثاء إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيسهم للسنوات الأربع المقبلة. بعد حملة انتخابية طويلة ضربت الرقم القياسي بالكلفة (اكثر من ملياري دولار) وبشدة المنافسة والسلبية والتراشق الجارح أحياناً على حساب اجتراح الحلول الكبيرة رست المعركة على الاختيار بين رئيس كان خلال ولايته الأولى أقل من المأمول؛ وبين خصم كان طوال حملته وما زال أدنى من المقبول.

في ميزان العقل الانتخابي الأميركي المصلحي تكون الأرجحية منطقياً، للأول. الاستطلاعات المتقاربة في أرقامها، لا تعبّر في حقيقتها عن توازن صلب بين الاثنين يهدّد الرئيس الاميركي المنتهية ولايته باراك اوباما، بقدر ما هي انعكاس للفتور شبه المتساوي تجاه الاثنين. خاصة في صفوف المستقلين والمترددين ذوي الثقل الحاسم. مع بقاء رجحان الكفة لصالح الرئيس بفارق رقمي رفيع.

مشكلة أوباما أنه لم يكن في نهاية ولايته عند التوقعات. وعوده كانت كبيرة وفي محلها. التفويض الذي ناله العام 2008، كان يكفي لتحقيق إنجازات أهم من تلك التي انتهى إليها. بل لتحقيق تحولات. في عاميه الأولين كان حزبه الديمقراطي يملك الغالبية في مجلسي الكونغرس النواب والشيوخ. كان بإمكانه تمرير تشريعات ضرورية تؤسس لمعالجة أعطاب مزمنة في الحياة السياسية وقوانين الضريبة والضوابط المالية وتجديد البنية التحتية المتهالكة والمزيد من التحفيز الحكومي للاقتصاد. آثر عدم الاقتحام. رفع شعار العمل بالتوافق مع الجمهوريين. كان ردّهم الوحيد، المزيد من عرقلة برامجه. وعندما استرجعوا الأكثرية في مجلس النواب، خريف 2010، سدّوا الطريق أمامه بصورة شبه كلية.

تهيّب المواجهة ولو بقضايا محقة. وفريقه المقرّب كان يعمل وعينه على تجديد الولاية وحساباتها التي لا تتحمل، حسب قاموس هذا الفريق، خوض المعارك مع الكونغرس. بل أنه هو ولفيفه من المعاونين والمستشارين، قصّروا في شرح وتوضيح، وربما تخوفوا وكابروا حقيقة أن الخروج من تحت أنقاض زلزال 2008، عملية يلزمها وقت وأن المهم هو التوجه وليست السرعة غير المتوفرة أصلاً. لكن من حظّه أن خصمه من النوع الصعب تلميعه. وإلا لكان من الميسور التقدم ومنذ شهور على رئيس يتجه إلى الانتخابات بمعدل بطالة يزيد على 8 في المئة - قبل أيام فقط نزل إلى 7,9 في المئة، لم يسبق أن فاز مرشح في ظلها، منذ ثلاثينات الكساد الكبير.

الموقع الثاني

يقود ذلك إلى مشكلة المرشح الجمهوري الذي تحنّط في المراوحة منذ أن رسا عليه الترشيح. بالرغم من قوة الورقة الاقتصادية التي يملكها ضدّ الرئيس، استعصى على رومني التفوق ولو بنقطة على الرئيس. بقي متسمراً في الموقع الثاني ولو عن قرب. أخذ شحنة بسيطة من الزخم، بعد الأداء البائس الذي كشف عنه أوباما في المناظرة الأولى مع رومني. لكنها لم تضعه في الطليعة وسرعان ما خبا بريقها.

الصورة السائدة عنه أنه يلفّ أكثر مما يصارح وصاحب حضور مزيّف، لا يعكس حقيقته ومواقفه التي كان يقولبها حسب الظروف. عطل عضوي أوقعه بمطبّات أثارت ضيق وغيظ قيادات وأنصار من بين الجمهوريين وخاصة المحافظين. وليس سرّاً أنه بقي غير مقبول حتى لدى شريحة وازنة من اليمين المحافظ، خاصة في الجنوب، لعدم الثقة في حقيقة انتمائه إلى نفس خندقها؛ كما لكونه من طائفة المورمون التي لا تحظى بالودّ من جانب البروتستانت المتدينين. وإذ وقفت هذه الشريحة بالنهاية وبقوة إلى جانب رومني، فليس من باب احتضانها له بقدر ما هي فعلت بهدف إلحاق الهزيمة بأوباما.

منافسة متكافئة

بلغة المعايير المتاحة، قبل حكم الصندوق، تبدو المنافسة متكافئة بين الاثنين. لكن التوازن الرقمي الذي بقي على حاله طوال الأشهر الماضية، يعكس صمود أوباما وضعف رومني. وفي الأسبوع الأخير تعزّزت هذه المعادلة. صدرت عدة إحصاءات اقتصادية إيجابية. كما صدر تقرير صندوق النقد الدولي الذي نوّه بالتوجه الذي يسير عليه الاقتصاد الأميركي. بالإضافة إلى ذلك، تدفقت موجات التأييد للرئيس من جانب كبريات الصحف التي أفردت افتتاحيات خاصة تدعو فيها إلى دعم تجديد رئاسته. كما أعلنت مرجعيات معروفة تأييدها له مثل: وزير الخارجية الأسبق الجنرال كولن باول وعمدة مدينة نيويورك مايكل بلومبيرغ. وكلاهما كان محسوباً على الحزب الجمهوري. فضلاً عن ذلك تشي الأجواء العامة في وسائل الإعلام ومراكز الابحاث ونتائج الاستطلاعات شبه المتوالية، بأن الدفة باتت تميل لصالح الرئيس، بالرغم من أن الأرقام ما زالت تبدو على فارق شعرة.

لكن ترجمة هذا الفارق في نظام الانتخابات الأميركية، قد تكون فجوة واسعة في أصوات الكلية الانتخابية أو المجمع الانتخابي، التي تقول توقعات مشهود بخبرتها بأن أوباما قد يحصل في النهاية على أكثر من 300 صوت منها.. أي أكثر من 30 عن العدد الذي يحتاجه للبقاء في البيت الأبيض.