يتوقف فوز المرشح الرئاسي الأميركي على مدى نجاحه في ترويج مواصفاته وبضاعته الانتخابية.

يأخذ هذا السلاح عدة طرق وأساليب، مباشرة وبالواسطة المباشرة متعدّدة الأشكال، وتتراوح بين الكاريزما والقدرة على التواصل مع الناخب لكسب صوته، وبين الدعاية لطروحات المرشح وسياساته وتوجهاته، المتعلقة بالقضايا والمشاغل الراهنة. لذا، تلعب الإعلانات الانتخابية دوراً مهماً، في هذا المجال. ولها وجهان: إيجابي، وفيه يعرض المرشح رؤيته ومعالجاته ووعوده. وسلبي يعمد فيه إلى تفنيد طروحات وسياسات خصمه وتشريحها. بل إلى تبشيعها وتنفير وتخويف الناخب منها. وأحياناً، يصل خطاب الحملة إلى التجريح الشخصي، بالغمز والتلميح. وتنفق مئات ملايين الدولارات في هذا الخصوص. وهنا، تلعب وسائل الإعلام الواسطة الدور الأهم والأمضى، لتبليغ الجمهور بالوجهين. ولها دور مزدوج.

من جهة، تنشر الإعلانات المدفوعة بثمن خيالي، خصوصاً في المرئي منها، ومن جهة ثانية، تواصل تغطية الحملة ورصد تفاصيلها وعرض مجرياتها، بصورة نادراً ما تخلو من التعاطف المبطّن مع هذا المرشح أو ذاك. أما صفحات الرأي والتعليق فهي، إلى حدّ بعيد، جزء صريح من الحملة. وهكذا، هو حال المحللين وخبراء الانتخابات الذين تستضيفهم البرامج الإخبارية ومنابر القرّاء ومراكز الدراسات والأبحاث في ندواتها ومنشوراتها. لكل خندقه وحيثياته والنهج الذي يدافع عنه.

عملية مكلفة

انتخابات الرئاسة الأميركية عملية مكلفة بقدر ما هي معقّدة. ساحتها متمادية. فيها مصالح واهتمامات وهموم متنوعة ومتراكمة. بعضها يجاور المعضلة. خصوصاً بعد أزمة 2008. كما تواجه أميركا تحديات خارجية عاتية.

اختيار هذا المرشح أو ذاك، في هذه الانتخابات، ليس عملية سهلة. من جهة، ليس في الساحة زعامة تطرح مقاربات ومعالجات جذرية يتطلبها المأزق الذي بلغه الوضع، على غرار ما عرفته أميركا في مراحلها المأزومة؛ مثل زعامة فرانكلين روزفلت في ثلاثينات القرن الماضي، وأبراهام لنكولن في ستينات القرن الذي سبقه.

أزمات متعددة

ومن جهة ثانية، تشهد أميركا اليوم صراعاً حاداً يعكس أزماتها المتعددة، من وضعها المالي الاقتصادي إلى التعليم والبنية التحتية والمديونية وتآكل أوضاع الطبقة الوسطى وغيرها.

وتعكس الحلول المتداولة، هي الأخرى، حالة عجز عن المواجهة. يلجأ الجمهوري إلى التبسيط واستعارة نهج المعالجات الماضية التي لا تستجيب لمشكلات اليوم. توجهاته تنضوي تحت عنوان الانفلات المغلّف واستحضار السوابق، من باب الحنين إليها. يرمي بالنهاية إلى شطب دور الدولة في الداخل، وتوظيف التفوق العسكري في الخارج. الديمقراطي يحذر من هذا التوجه ومخاطره، لكنه مرتبك في الردّ. كما في تقديم البديل وتسويقه. لا الأول أقنع الغالبية، ولا أوباما تمكّن من نسف مزاعم خصمه، مع أن طرحه أسلم، ولذلك وقع الناخب، ما عدا الملتزم، في الحيرة.

حتى الآن لا يزال على كليهما، قبل ثلاثة أسابيع من يوم الاقتراع؛ كسب شريحة كبيرة من المترددين الذين لم يتعرفوا بعد بوضوح على حقيقة طروحات المرشحين الاثنين. ومن هنا، التهاب سوق الإعلانات، أو بالأحرى الدعاية التي يلجأ إليها كل من رومني وأوباما، لشدّ عصب قاعدته واستنفارها إلى أقصى الحدود، كما لتجيير حيرة الناخب لصالحه. وهي تتوزع على وسائل الإعلام، مع استئثار الشاشة الصغيرة بالحصة الأكبر وبالتالي بالحصاد المالي الأوفر من موسم الانتخابات.

ويعمل فريق كل مرشح على توجيه خطابه التسويقي أو التشويهي، إلى ولايات معينة، لأهميتها أو لتقارب الموازين فيها. زخّات الدعاية بشقيها، تكاد تطغى على موجات الأثير، بكلفة باهظة تختلف من وقت إلى آخر في ساعات الليل والنهار، لتصل أحياناً إلى نصف مليون دولار في الدقيقة.

معظمها سلبي. وهي شقّ مهم من الحملة التي يعمل فيها جيش من المستشارين وخبراء التلميع الانتخابي والباحثين ومنظمي الجولات وحملات التبرع، فضلاً عن ناشطين متطوعين للعمل في الميدان والاتصال بالناخبين بشتى الطرق، من رسائل البريد إلى طرق الأبواب. ورشة هائلة من الطرفين، تقترب نفقاتها من مليارين ونصف المليار دولار. ويحصل المرشح على مبلغ نسبي من الخزينة الفيدرالية لإضافته إلى مالية حملته.

بالإضافة إلى ما ينفقه ما يسمى بالسوبر كوميتي، في كلا الخندقين. مع الإشارة إلى تفوّق العاملة منها لصالح رومني. وهي كناية عن مجموعة من الأثرياء الداعمين للمرشح، يتبرع أفرادها بملايين الدولارات، لشراء الإعلانات والعمل الدعائي لصالح مرشحها، من دون موافقته أو إبلاغه. لكنها، عملياً، متفاهمة معه، وتعمل بالتناغم مع حملته. ولا حدود لما تقدمه، بعد أن سوّغت المحكمة الفيدرالية العليا هذا الإنفاق، في 2011، من باب أنه من أشكال «حرية التعبير» التي يكفلها الدستور.

وأثار قرارها جدلاً كثيراً، ووضع الانتخابات في سوق البيع والشراء. كما يلعب المال دوره المهم في انتخابات الكونغرس التي قد تبلغ كلفتها العام الحالي حوالي أربعة مليارات دولار، وهي تجري في اليوم نفسه مع انتخابات الرئاسة.

 

 

صعوبة تعريف

 

التعريف بالمرشح في بلد شاسع كالولايات المتحدة، تتعذر تغطيته عن طريق الجولات الانتخابية فقط، فهو يتطلب التواصل عن طريق الإعلانات ووسائل الإعلام. لكن عملية التمويل لتأمين هذا التواصل تكاد تخرج عن السيطرة، وصارت جنونية. بات غرضها ليس تنوير الناخب، بل التلاعب في وعيه. ولولا التراث الانتخابي المتراكم في أميركا لتحولت الانتخابات إلى شراء المنصب.