خلال حملته الانتخابية، وقع المرشح الجمهوري ميتّ رومني بمطبّات وإحراجات عدّة في الشؤون الخارجية.
في كل مرة عَرَج على هذا الموضوع، كان يكشف عن المزيد من البلبلة في معلوماته ومن السطحية في مقاربته للعلاقات الدولية وإحاطته بتفاصيلها وتعقيداتها. وبالذات للتطورات الجارية في منطقتنا وملفاتها الساخنة. لذا كان يتعامل معها بالمفرّق وبصيغة ردّ الفعل وتحت ضغط الأحداث. تحاشى قدر الإمكان الخوض في تفاصيل سياسته هذا الحقل. من جهة لأن خصمه الرئيس أوباما رصيده كبير لدى الأميركيين في مجال الأمن القومي والسياسة الخارجية. ومن جهة أخرى، لأن خبرته ضعيفة في هذا الميدان.
قبل يومين ألقى خطاباً شاملاً في هذا الملف، مع التركيز على القضايا المشتعلة في الشرق الأوسط. اغتنم فرصة هبوط صورة الرئيس، بعد تعثّره في مناظرته الأولى الأسبوع الماضي؛ ليقدّم نفسه كصاحب خطّ متميز في هذا الحقل، يتناقض مع نهج اوباما "المتهاون"، على ما يزعم المحافظون. تحدّث بمزيج من لغة "الماتشو" والمزايدة والأمجاد. خلطة تحمل بعض مفردات المحافظين الجدد وكثير من التبسيط مع جهل أو تجاهل متعمّد لأوضاع المنطقة وما تمر به في الوقت الراهن. ينظر إلى المنطقة العربية بعدسة التطرف وحدها.. يضعها كلها في سلّة واحدة، تحت هذا العنوان. قدّم وصفات لا تختلف سوى بالحذلقة عن السياسة الخارجية لإدارة أوباما. سواء بالنسبة لإيران وأفغانستان ومصر وليبيا. ما سجّله على أوباما بخصوص حادثة بنغازي وموضوع تسليح المعارضة السورية، ليس بجديد، سبق وردّدته دوائر أميركية عديدة. صحيح ان أوباما كشف عن كثير من التردّد والرخاوة في مواقف عديدة، تحت غطاء التأني والحذر. لكن نقدها من جانب خصمه لا يكفي. وقد أثار خطابه انتقادات واسعة، لناحية خلوّه من البدائل والتصورات المفصّلة، إن كان بشان دور أميركا في ظلّ قيادته، أو بشأن قضايا الشرق الأوسط أو العلاقات مع الصين وروسيا. ما عدا الوعد "بالتشدّد" والتذكير بان على الرئيس "توظيف قوة أميركا العظمى لصياغة التاريخ وعدم ترك مصيرنا تحت رحمة الأحداث". رومانسية سياسية مستعارة من عهد رونالد ريغان، تجاوزها الزمن وكشفت حرب العراق عن مدى خوائها.
لكن رومني تميز في توصيفه للعلاقة مع إسرائيل التي "لا يجوز أن يفصل خيط الضوء بيننا وبينها". تطابق إلى حدّ تسليم مفاتيح البيت إليها.
لا يكفي ما تقدمه واشنطن على كل صعيد وإدارة أوباما تفوّقت في العطاءات، بل هو يزعم بأنه لن يسمح بأي تعارض أو تباين في الموقف بين الجانبين. تملّق انتخابي لا يخلو من الرخص والابتذال.
وحتى أرباب المحافظين لا يذهبون إلى هذا الحدّ في التسليم والتنازل. ورومني يعرف أن واشنطن تحتضن إسرائيل من موقع السيّد وأن التهافت على تقديم الخدمات لها خاصة في الكونغرس لأسباب معروفة، لا يلغي واقع أن القرار يبقى بيد سيد البيت الأبيض. لكن عندما يرغب ويريد ذلك. في معظم الأحيان هو يختار التراجع لصالح إسرائيل، كما فعل أوباما أكثر من مرة. كعادته، لوى رومني عنق الحقائق. قفز من مواقف سبق وأسرّ بها في جلسات مغلقة، انكشفت لاحقاً، إلى نقيضها، من القول أن لا حلّ للقضية الفلسطينية إلى الكلام عن دولتين. تشخيصاته إما ساذجة وإما مضلّلة"، حسب تعبير صحيفة «نيويورك تايمز». بل لجأ إلى "الكذب" في موضوع خفض موازنة «البنتاغون».
تناول الأوضاع في المنطقة من الزوايا التي تسمح له بتسجيل نقاط انتخابية. من المفترض والمتوقع، أن يقوم أوباما بتفنيد مزاعم وهلوسات خصمه، الذي لايزال ينعم حتى الآن بنشوة فوزه في المناظرة الأولى. إلاّ إذا تكرر إخفاق الرئيس وقرر تقديم الرئاسة كهدية إلى منافسه.