ما كشف عنه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو في خطابه اول من امس أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة بخصوص النووي الإيراني والذي جاء أقرب إلى الانذار؛ كان رسالة موجهة إلى عدة عناوين. أحدها بل أهمها، البيت الأبيض. فإدارة الرئيس الاميركي باراك اوباما سبق ورفضت تحديد خط أحمر الآن لإيران، من باب أن ذلك سابق لأوانه وأنها بالنهاية ملتزمة « بمنع » طهران من امتلاك السلاح النووي. الخلاف مع إسرائيل المستعجلة ولو يقال أنها منقسمة حول التوقيت طلع إلى المكشوف ودخل على مسار حملة انتخابات الرئاسة الأميركية. واتهم فريق أوباما نتانياهو بالتشويش والتدخل في الانتخابات لمصلحة منافسه مت رومني، من خلال تصوير رفض الخط الأحمر على أنه بمثابة « التخلي عن إسرائيل ». وعليه، رفض البيت الأبيض تحديد موعد له مع الرئيس، بحجة أن البرنامج لا يسمح. ويقال أن أوباما قرّر خلافاً للتقاليد، عدم لقاء أي مسؤول أجنبي من بين الذين شاركوا في افتتاح الدورة العادية للجمعية العمومية بنيويورك، كي لا يجتمع مع نتانياهو. ومع احتدام المسألة بينهما، هبّت أصوات يهودية نافذة في الكونغرس مثل السناتور برباره بوكسر، وفي وسائل الإعلام؛ لتحذير نتانياهو وبلغة التوبيخ، من عواقب سلوك طريق المواجهة مع البيت الأبيض وفي هذا الظرف الانتخابي بالذات. فهناك قلق في أوساط بعض المرجعيات اليهودية الأميركية، من تمادي إسرائيل في الغطرسة وما قد يتسبب به من أذى، على رصيدها وصورتها لدى الرأي العام الأميركي. خاصة وأن تعابير التأفف من نتانياهو باتت تتردّد في أكثر من دائرة ومناسبة.
وتحت الضغوط والتحذيرات تراجع نتانياهو عن التوقيت. بدا وكأنه تنازل عن إلحاحه في الوقت الحاضر وترك الموضوع إلى ما بعد الانتخابات الأميركية. حدّد من جانبه ولو بضبابية خطه الأحمر بعام. وفي تقديره أن طهران في طريق انجاز الطور الثاني من صنع القنبلة، مع حلول الصيف القادم، أي امتلاكها اليورانيوم المخصّب بدرجة 90 في المئة. يبقى الشق الثالث والأخير الذي قال أن بالإمكان انجازه « خلال أشهر أو اسابيع ». تقييم لا يتفق مع أقرب التقديرات الأميركية. في رسالة صدرت مؤخراً بتوقيع عدة جنرالات متقاعدين واثنين من المستشارين السابقين للأمن القومي، برانت سكاوكروفت وزبغنيو بريجنسكي؛ أن إيران «يلزمها سنة لاستكمال التخصيب بالإضافة إلى سنتين لتصنيع الرأس النووي الذي تحمله الصواريخ ».
الانذار الاول
ووضع المراقبون كلام نتانياهو في خانة «الإنذار الأول من نوعه، الذي باتت معه إسرائيل ملزمة بضرب المنشآت النووية الإيرانية إذا رفضت طهران وقف التخصيب قبل الصيف المقبل». لكن في الحقيقة هو ضغط على واشنطن، لتعطي الضوء الأخضر، بالموافقة أو بالمشاركة؛ مع نهاية هذه المدة. وهي فترة مدروسة من جانبها الأميركي. إذا جدّد أوباما، تكون فترة السنة قريبة من التقديرات الأميركية ويكون بالتالي عليه إعطاء مثل هذا الضوء؛ وفق حسابات نتانياهو. وإذا فاز رومني، تكون الموافقة أسهل، لكن ليس قبل ما يقارب السنة على رئاسته. فالرئيس الجديد عادة ينشغل طوال هذه الفترة بتركيب إدارته وترتيب أولوياته وعلاقاته مع الكونغرس ولا يتخذ قرارات كبيرة. خاصة من عيار الحرب. فنتانياهو يدرك أن إسرائيل غير قادرة لوحدها القيام بالضربة العسكرية القاصمة. كاد رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق دان حالوتس، أن يقولها صراحة في محاضرة له قبل ايام في « مؤسسة بروكنغز » للأبحاث بواشنطن. وقالها عسكريون اميركيون متقاعدون. كما ألمح إليها الجنرال دامبسي رئيس الأركان.