محللون صينيون : حادث اغتيال السفير يكشف عدم استقرار داخلى فى ليبيا وسخرية سياسة امريكا الخارجية


وضع مقتل السفير الامريكى فى مدينة بنغازى الليبية موخرا الجهود الامريكية الرامية الى ردم الهوة مع العالم الاسلامى فى مأزق حقيقى وبات عليها ان تعدل سياستها تجاه الدول العربية، على ما ذكر خبراء صينيون .
وقتل السفير الامريكى كريس ستيفنز وثلاثة من موظفي السفارة بعد قيام مسلحين بالهجوم على مقر القنصلية الامريكية بمدينة بنغازى شرقى ليبيا مساء الثلاثاء احتجاجا على عرض فيلم وصف بالـ"مسيء " للرسول محمد.
وعلى الرغم من عدم وضوح حتى الآن من يقف وراء الهجوم على قنصلية بنغازى، والذى تزامن مع الذكرى الـ11 لاحداث 11 سبتمبر 2001، إلا ان بعض المسؤولين الامريكيين يعتقدون ان الهجوم ليس من عمل جماعات غاضبة ولكن اعتداء مخطط من قبل منظمة تستلهم افكار القاعدة.
ونقلت صحيفة ((نيويورك تايمز)) الامريكية عن مسؤول امريكى قوله ان "على الرغم من ان ظروف القتل لا تزال غير واضحة، الا انه يشتبه فى جماعة منظمة استفادت من الاحتجاجات واستخدمت التظاهرات كغطاء".
وهناك مجموعة متنوعة من الجماعات الجهادية تعمل فى ليبيا ولكن تتجه اصابع الاشتباه الى كتائب عمر عبد الرحمن المسجون فى الولايات المتحدة باعتبارها المشتبه الرئيسى لانها سبق ان استهدفت ذات القنصلية الامريكية فى السابق، بحسب المسؤول.
كما تأتى ايضا جماعة انصار الشريعة فى بؤرة الاهتمام .
وفى يوم الاربعاء، ارسلت وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) فريقا من مشاة البحرية لتعزيز تأمين السفارة فى طرابلس كما ارسلت البحرية مدمرتين الى المياه الليبية .
وقال مسؤول فى وزارة الدفاع طلب عدم ذكر اسمه ان " ما حدث ليس اعمال شغب ، بل هو هجوم منظم".
واعتبر المحلل تشو هى بى محلل الشؤون الدولية لقناة (( فينيكس)) الاخبارية ان حادث اغتيال السفير الامريكى يدل على ان الوضع فى دول شمال افريقيا والشرق الاوسط ما زال غير مستقر بعد مرور أكثر من عام ونصف على اندلاع ثورات الربيع العربى واقامة حكومات جديدة.
واوضح ان توقيت وقوع هذا الحادث يصادف يوم 11 سبتمبر وهو المرة الاولى التى يحيي الليبيون هذا اليوم بعد سقوط نظام معمر القذافى واقامة نظام جديد يؤكد اعتماده على الشريعة الاسلامية .
واعتبر تشو هى بى "هذا الحادث يشكل ضربة شديدة لا مثيل لها لدبلوماسية الولايات المتحدة وكذلك اهانة جسيمة لصورة الولايات المتحدة، وسوف يترك تأثيرا طويل المدى على العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وليبيا خاصة والدول العربية المسلمة عامة".
واضاف ان الولايات المتحدة يتعين عليها ن تدرك أن الفجوة الكبيرة بين الثقافة الغربية والثقافة العربية لا يمكن تضييقها من خلال القاء خطابات مؤثرة أمام الجماهير العربية ( فى اشارة الى خطاب الرئيس أوباما فى جامعة القاهرة عام 2009 ) ، بل يتعين على الولايات المتحدة تعديل سياستها الخارجية تجاه الدول العربية والاستماع الجيد الى متطلبات الشعب العربى.
بيد انه استبعد فى الوقت نفسه احتمال انقطاع العلاقات بين الولايات المتحدة وليبيا جراء هذا الحادث، قائلا ان " عددا كبيرا من المسؤولين فى الحكومة الليبية الجديدة عادوا من الولايات المتحدة واقاموا علاقات جديدة مع واشنطن وسوف يعملون على تحسين العلاقات مع واشنطن التى تحاول تعزيز وجودها فى شمال افريقيا ".
وكانت تظاهرات مماثلة قد اندلعت فى القاهرة يوم الثلاثاء احتجاجا على عرض الفيلم قام خلالها متظاهرون غاضبون من انصار التيار الاسلامى وشباب الالتراس بمحاولة اقتحام السفارة الامريكية فى القاهرة ونجحوا فى تسلق اسوارها لنزع العلم الامريكى .
وحاول المتظاهرون اقتحام السفارة مرة اخرى امس الاربعاء لنفس السبب، بيد ان قوات الامن وقفت لهم بالمرصاد.
وبدأ عرض فيلم "براءة المسلمين" الذى اعتبر يسئيء للاسلام ورسوله ، بدور السينما الامريكية يوم الثلاثاء بالتزامن مع ذكرى احداث 11 سبتمبر فى الولايات المتحدة رغم تحذير جهات عدة من خطورة هذه الخطوة.
وقالت تقارير ان الفيلم الدرامى المعنون بـ" براءة المسلمين" انتجه واخرجه امريكى-اسرائيلى يدعى سام باسيل، من كاليفورنيا ويعمل فى مجال العقارات. وقد سارع مسؤولون اسرائيليون الى نفى ان يكون له علاقة باسرائيل عقب اندلاع الاحتجاجات.
وقال باسيل، الذى اختبئ بعد احداث قنصلية بنغازى، انه جمع 5 ملايين دولار من 100 متبرع يهودى وصور الفيلم ومدته ساعتين فى كاليفورنيا العام الماضى.
وذكرت تقارير ان الفيلم شارك فى اعداده بعض الاقباط المصريين فى المهجر ويدعمه القس الامريكى المعادى للاسلام تيرى جونز . واشتهر الاخير بحرقه لنسخ من القرآن الكريم .
ومن جانبه، قال لي قوه فو، الباحث بالمعهد الصيني لدراسات القضايا الدولية، لوكالة انباء ((شينخوا)) ان مقتل السفير الامريكي لدى ليبيا يمثل ضربة للجهود الامريكية الرامية الى تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامى.
واشار الى ان مقتل السفير، الذي كان يعمل في الدول العربية لمدة عقود وسعي الى تأييد المعارضة الليبية خلال الحرب ضد نظام معمر القذافي في السنة الماضية، يكشف مدى "سخرية السياسة الامريكية في الدول العربية".
ووصف وو بينغ بينغ، الأستاذ في قسم اللغة والآداب العربية بجامعة بكين، الحادث "بالمأساوي"، مشيرا الى عدد من الاسباب الجذرية والتداعيات المحتملة للحادث.
وقال لشينخوا إن الحدث يدل على ان الفوضى مازالت تعم المجتمع الليبي بعد انتصار الثورة ضد العقيد الليبي معمر القذافي. وتابع " ليس التحول الاجتماعي في بلد مثل ليبيا أمرا سهلا كما توقعت الدول الغربية. الفوضى وانعدام النظام يعدان من خصائص مرحلة التحول الاجتماعي ".
واضاف الباحث المخضرم في شئون الشرق الأوسط ان الحدث يدل ايضا على ان الولايات المتحدة لم تجر تواصلا وتنسيقا فعاليين مع الحكومة المحلية، إذ ان قضايا الامن، مثل حماية البعثات الدبلوماسية، يجب ان تضطلع الحكومة المحلية بمسئوليتها، وليس البعثات الدبلوماسية نفسها. ولكن الهجوم وقع بالفعل تحت جفن قوات الامن الليبية، فذلك يعني ان هناك قصورا في التواصل بين السفارة الامريكية والحكومة المحلية الليبية.
واكد وو بينغ بينغ على ضرورة ان تفكر الولايات المتحدة جيدا في الأسباب الجذرية وراء الحادث. فلماذا يسمح في الولايات المتحدة بانتاج وعرض مثل هذا الفيلم الذي ليس من المحتمل ان ينتج ويعرض في اي دولة اسلامية؟ ولماذا يقبل المجتمع الامريكي مثل هذا الفيلم الذي لن يقبله العالم الاسلامي؟ ذلك يعنى ان ثمة فجوة شاسعة بين الجانبين في العادات الاجتماعية ومفاهيم القيم.
واضاف وو "على الولايات المتحدة ان تغير موقفها ازاء القضايا المتعلقة بالعرب والمسلمين، مثلا عليها ألا تواصل الانحياز الى اسرائيل لعرقلة التسوية العادلة لقضية فلسطين. وإلا فلن يستطيع احد ان يتوقع عدم تكرار مثل هذا الهجوم في المستقبل".