المألوف في تاريخ الانتخابات الأميركية أن المؤتمر الحزبي، الذي يعقد قبل نيّف وشهرين من يوم الاقتراع؛ يعطي مرشحه شحنة من الزخم. ولو الآني، وذلك بتأثير ما يوفره له هذا الحدث، الذي يحصل مرة كل أربع سنوات والذي يتحول إلى مهرجان سياسي حاشد وباذخ بتغطية إعلامية باهرة وبخطاب ترويجي مركّز؛ من تزيين وتسويق يجعله أقرب إلى القبول من جانب الشرائح المتردّدة والحاسم ترجيحها لهذا المرشح أو ذاك.
مثل هذا التعويم المألوف ولو الطفيف، لم يحظ به أي من المرشحين هذه المرة. لا رومني أخذ من الدفع ما يضعه في مرتبة متقدمة على أوباما. ولا هذا الأخير حلّق بما يجعله سابقا لخصمه بأشواط ولو أنه كسب حوالي ثلاث نقاط بعد المؤتمر.. بقيا على ما كانا عليه قبل مؤتمري حزبهما. الفارق بينهما كان وما زال في حدود قريبة. بلغة استطلاعات الرأي، يعني التعادل. لكن عملياً، هو تقدّم للرئيس على رومني.
كان من المفترض أن تكون الأرقام الآن لصالح الجمهوري في ضوء الوضع الاقتصادي المتعثر في أحسن حالاته. هذا العامل أساسي في تحديد خيار الناخب. آخر الإحصاءات الرسمية، أمس، تشير إلى ان نسبة البطالة تقريباً على حالها. نزلت بجزء هزيل فقط. نسبة سيئة للرئيس. ولو أنه ليس المسؤول عن أسبابها. لكن بمنظار الناخب، هو مسؤول عن الفشل في خفضها. مسؤولية يترتب عليها ثمن انتخابي. لكن مع ذلك بقي رصيد أوباما محصّنا ضدّ الهبوط. رومني ما زال خلفه. وإن بفاصل ضئيل. شيء واحد شفع به: مقارنته بخصمه. هو حقيقي. رومني انتهازي وصولي.
الانطباع أن أوباما يدرك ويعني ما يقول. رومني لا يوحي بالجدّية. خطابه يقوم على تمييع ما يطرحه الرئيس والسخرية من مقارباته. سلبيته تركت كثيرا من الارتياب حول مزاعمه وصدقيته. من هنا مراوحة حملته، المتوقع أن تأخذ انعطافة حادة باتجاه شخصنة المعركة واللجوء إلى أسلوب التبشيع بالرئيس. ولن يتردّد فريقه في سلوك هذا السبيل، إذا بقيت حملة رومني مترنحة. مع أن ذلك سيف بحدّين. خاصة وأن من يشرف عليها قوى عاتية في تزمتها الايديولوجي والسياسي وفي عنصرية خطابها وإصرارها على عمل كل ما يمكن للإطاحة باوباما. فهذه القوى باتت مسيطرة على الحزب الجمهوري، بحيث لم يعد فيه مكان للوسطية والاعتدال. صار في قبضة عتاة اليمين المحافظ واليهودي، الذي يدعم حملة رومني بلا حساب. أحدهم، الملياردير اليهودي شالدون ادلسون، ضخّ عشرات الملايين وأعلن أنه يزمع مواصلة الدعم لرومني لغاية مئة مليون دولار من أجل "هزيمة اوباما" مجموعة أخرى من كبار الأثرياء، بقيادة الأخوين كوش من نيويورك؛ تعهدت بجمع 400 مليون دولار لحملة رومني. التقديرات أن تصل كلفة المعركة كلها، إلى حوالي ملياري دولار، على أن تكون الحصة الأكبر منها لحملة رومني.
ولا يخفي فريق أوباما خشيته من هذا الدفق المالي، الذي يتيح لمنافس الرئيس شنّ حملة إعلامية مكثفة وقد تكون مؤثرة، ولو مضلّلة ومجافية للحقائق والتجارب. لاسيما وأن هناك مآخذ على الرئيس. من أبرزها غموضه في التفاصيل وتردّده في التزام الخيارات الصعبة والمجاهرة بها. يفضّل ملامستها عن بعد، لجسّ النبض أولاً. "هو نجح أكثر بكثير مما يزعم خصومه، لكن نجاحه كان أقل بكثير من حاجته ليكون في الموقع الذي يتيح للناخب الأميركي أن يراه"، على ما قالت نيويورك تايمز في افتتاحيتها. يمكن الإضافة بأن علّته الأساسية تكمن في كونه أكثر من سياسي، لكنه أقل من زعيم في وقت تحتاج فيه أميركا المأزومة إلى قيادة تسبح ضدّ التيار لتجاوز الأزمة؛ كالرئيس روزفلت وقبله لنكولن. لكن من حسن حظّ أوباما أن بضاعة خصمه المتعثر تسويقها، حتى الآن، وفرت لحملته الحماية من الارتدادات السلبية للمشكلات الداخلية. التحدّي أن يضبط المعادلة عند هذه الحدود، لو تعذّر عليه توسيع الفجوة مع رومني؛ خلال الشهرين القادمين وما يتخللهما من جولات ومناظرات ثلاث في أكتوبر، فضلاً عن حرب دعائية ربما غير مسبوقة.