انتخابات الرئاسة تحوّلت هذه المرة إلى استفتاء على أوباما. فليس في الساحة برنامجان للمفاضلة بينهما. هناك مرشحان: واحد انقضى عليه أربع سنوات في البيت الأبيض ويجري الآن عرض وتشريح محصلة عهده، للتصويت عليها.

والثاني تقوم حملته على السلبيات التي يزعم أنها طبعت حكم الأول. ويعوّل الحزب الجمهوري على خطاب التنفير من أوباما، بوصفه «الرئيس السيئ»، كما سمّاه أحد أقطابه.. هذا سلاحه لتعويم مرشحه مت رومني.

فهو لا يطرح بدائل واضحة وناقضة لسياسات وتوجهات أوباما. كل ما في جعبته، الخالية من مشروع حكم متكامل وقادر على الاستقطاب؛ هو تصويبه على ما يسميه بـ «فشل» الرئيس في حلّ كل المعضلات الداخلية التي ورثها الرئيس عن الجمهوريين أنفسهم.

وما يزعم هؤلاء بأنه البديل، ليس سوى عموميات بلا تفاصيل؛ تندرج تحت عناوين المقاربات ذاتها التي تسببت بالأزمات المالية والخارجية ايام الرئيس بوش. كانت هذه لغة الجمهوريين وبالتحديد رومني، على مدى أشهر مرحلة التصفية بين مرشحيهم.

كما تجلّت بأوضح صورها خلال المؤتمر العام الذي عقده الحزب الأسبوع الماضي لتتويج ترشيح رومني والذي طغى عليه خطاب التلميع لهذا الأخير وخطاب التبشيع بالرئيس أوباما.

لكن الاستبيانات والردود التي أعقبت الحدث، كشفت بأن المهرجان وكل ما تخلله من تزيين ومحاولات ترويج؛ لم يفلح في تسهيل عملية تسويق رومني. المعادلة بقيت على حالها، لصالح الرئيس وإن بفارق ضئيل.

عادة بعد المؤتمر العام يأخذ المرشح شحنة زخم من وهج مثل هذا التجمع الحاشد لما يحظى به من أضواء وتغطية إعلامية باهرة على مدى ثلاثة أيام متتالية تحتكر عناوين الصحف ومعظم أوقات الشاشة الصغيرة والنشرات الإذاعية والإلكترونية.

لكن ليس هذه المرة. بالرغم من أن خطاب المؤتمر لجأ إلى كل أساليب التقرّب والترويج والترغيب. ربما لأنه بالغ في لي عنق الحقائق وتزييفها. خاصة خطاب رومني ونائبه بول راين.

قبل المؤتمر بساعات كان 30 في المئة الأميركيين لا يزالون لا يعرفون تماماً من هو رومني. إما لأنه يفتقر للكاريزما، وإما لأنه متلوّن. ولم يكن من غير مدلول أن 30 مليونا فقط من الأميركيين، استمعوا إلى كلمته في المؤتمر والتي نقلتها مباشرة كافة وسائل الإعلام المرئي والإذاعي.

بينما في الانتخابات السابقة تابع كلمة المرشح الجمهوري، جون ماكين، أكثر من 40 مليونا.

لكن إذا كان كل ذلك يؤشر إلى ضعف وضع الجمهوري حتى الآن، إلاّ أنه لا يضمن تفوّق أوباما بصورة تطمئنه. فالفارق هزيل بين الاثنين. وللرئيس أعطابه الداخلية. ارتكب اخطاء وكانت بعض حساباته مغلوطة. ثم إنه بحكم موقعه يجري تحميله، بالمنظار الأميركي العادي، مسؤولية البطالة واستمرار التعثر الاقتصادي.

والمتوقع أن يشهد الشوط الأخير من الحملة، خلال الشهرين المقبلين معركة كسر عظم تشي المقدمات بأنها سوف لن تستثني أي سلاح أو حيلة أو حتى لغة التجريح والغمز العنصري. ويملك الجمهوريون ماكينة انتخابية ودعائية لا يستهان بها ومتفوقة في خطاب التحريض وأساليب الاستنفار والتأليب.

كما تتفوق الآن في التمويل، الذي تتدفق على صندوقه تبرعات اللجان الداعمة لمعركة رومني من خارج ميزانية حملته؛ حيث يمنحها القانون هي واللجان المماثلة التي تدعم أوباما ضخ الأموال بلا حدود في هذا السبيل.

أميركا المأزومة تخوض انتخابات يزعم كلا الحزبين امتلاك الحلول لها. واقع الحال انه زعم لا يرقى إلى مستوى ازمة الوضع الأميركي الراهن. لكن يبقى الطرح الديمقراطي أقل خطراً من الطرح الجمهوري المتغوّل.

 

دعم أثرياء اليهود

أحد كبار الأثرياء اليهود أعرب عن استعداده لتقديم 100 مليون دولار من ماله لإسقاط أوباما، بزعم أن الرئيس معاد لإسرائيل. فالحزب الجمهوري عازم، حسب ما تشي به تصريحات أقطابه؛ على وضع كل ثقله وإمكاناته ورصيده في المعركة لمنع أوباما من التجديد.

فهو في العمق لا يطيق أن يرى أميركيا أسود في البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى. وكل الحيثيات الأخرى التي يردّدونها «ليست سوى براقع لحجب هذه الحقيقة» على ما قال زبغنيو بريجنسكي.

والأهم أن الحزب بسائر فصائله المحافظة وخاصة «المحافظين الجدد» الذين عادوا إلى الساحة من خلال المواقع المركزية التي يشغلونها في حملة رومني؛ يخوض معركة فاصلة حول أي أميركا يختارها الناخب في نوفمبر: أميركا التي تقوم فيها دولة الخدمات والرعاية الاجتماعية والتحفيز الاقتصادي وضبط الانفلات المالي وزيادة الضرائب على أصحاب المداخيل الضخمة والتي يحمل لواءها أوباما وحزبه الديمقراطي، ام أميركا خفض الضرائب على الأثرياء وإزالة الضوابط وتقليص النفقات العامة ما عدا موازنة وزارة الدفاع (البنتاغون) وبالتحديد في مجالات الرعاية والمساعدات للمحتاجين والمسنين، بحجة وقف العجز وتراكم الديون على الخزينة ؟