بينما كان الدين الإسلامي يتعرّض للطعن من كل حدب وصوب، حتى من أبنائه، كان هناك ملحد يبحث عن الحقيقة فوجدها وأعلنها في المركز الإعلامي في جنيف.. فقامت عليه الدنيا لأنهم يعرفون قدره وعمق علمه.
له من المؤلفات 66، أنجزها في 60 عاماً، آخرها وهو ابن 92 ربيعاً.. 14 منها أنجزها بعدما أشهر إسلامه، آخرها: «الإرهاب الغربي»، وأشهرها: «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل» الذي وضعه على القائمة السوداء في العديد من الدول التي تدور في فلك إسرائيل.
فللمصادفة، في مثل هذا الشهر من العام 1982 هزّت مجازر صبرا وشاتيلا في لبنان غارودي البعيد أكثر من 7000 كيلومتر فأعلن الحرب على المجرمين، وكتب بياناً بعنوان: «معنى العدوان الإسرائيلي بعد مجازر لبنان»، كان بمثابة بداية صدام مع المنظمات الصهيونية التي شنت ضده «إبادة فكرية وسياسية» في فرنسا والعالم. إذ واجه حملة ضارية في أوروبا بعدما فنّد مزاعم اليهود فيما حدث لهم أيام الحرب العالمية الثانية من اضطهاد وأكذوبة الرقم الذي يبتزون به الضمير العالمي.
وفي العام 1998، آتت هذه الحرب ثمرتها، إذ حكمت محكمة فرنسية على غارودي حكماً بالسجن سنة، مع إيقاف التنفيذ، بتهمة التشكيك في محرقة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية على أيدي النازيين الذين حاربهم في تلك الحرب.. فكان شاهد عيان لا يمكن الطعن في شهادته.
يقول غارودي الذي كانت حياته سلسلة من الحروب: مع النازية، ومع الإمبريالية والرأسمالية ثم مع الشيوعية التي كان يعتنقها، وبالأحرى مع معقل الشيوعية الاتحاد السوفيتي، ثم مع الصهيونية إنه لم يخض سوى حرب واحدة في حياته: إنها الحرب من أجل السلام ومن أجل حوار الحضارات.
عاشق للفلسفة وهي التي أنارت له الطريق وهي التي كانت عبئاً عليه، فأغضبت منه الرفاق الشيوعيون عندما كان شيوعياً، واستاء منه المسيحيون عندما كان مسيحياً عندما ركّز على ملامح التسامح في ديانة عيسى عليه السلام، وتضايق منه المفكرون المسلمون عندما كتب عن المرأة وعن المسجد ودوره.. وقرّر اليهود القضاء عليه لأنه قرّر كسر حاجز «التابو» وقول الحقيقة في حقيقة اليهود والمحرقة.
ورغم حداثة إسلام جارودي (1982) وكثرة المصاعب التي واجهته سواء من حيث اللغة أو الثقافة كملحد وشيوعي سابق، أو الحرب الصهيونية الشعواء عليه، استطاع أن يؤلف العديد من الكتب كـ: «وعود الإسلام»، و«الإسلام دين المستقبل»، و«المسجد مرآة الإسلام»، و«الإسلام وأزمة الغرب»، و«حوار الحضارات»، و«كيف أصبح الإنسان إنسانياً»، و«فلسطين مهد الرسالات السماوية»، و«مستقبل المرأة وغيرها»، و«الولايات المتحدة طليعة التدهور».
ويرى كثير من المتعمّقين في آثاره وكتاباته أن شمولية الإسلام جعلته قادراً على احتواء أصحاب الديانات الأخرى.
الراحل كان رجل فكر، وعلم، وسياسة. حياته كلّها كفاح بحثاً عن الحقيقة، وعن النقطة التي يلتقي فيها الوجدان بالعقل، فوجدها في الإسلام. وفي هذا يقول: العلم متصل بالدين، والعمل مرتبط بالايمان، والفلسفة مستوحاة من النبوة، والنبوة متصلة بالعقل.
وهو ظل مدافعاً عنيداً ملتزماً بقيم العدالة الاجتماعية التي آمن بها في ريعان شبابه أيام الحزب الشيوعي ووجد أن الإسلام ينسجم مع ذلك ويُطبّقه، فضلاً عن قدرته العظيمة على احتواء الحضارات وتعايشها، فهذا الفيلسوف الأوروبي وصل إلى قناعة أن الإسلام العظيم أكثر الأديان شمولية في استقباله للناس الذين يؤمنون بالتوحيد.