مساء الأربعاء، منح الرئيس أوباما «وسام الحرية الرئاسية» إلى شمعون بيريز؛ خلال حفل عشاء رسمي في البيت الأبيض بحضور جمع من كبار الشخصيات والمسؤولين الحالين والسابقين. وفي كلمته أفاض المضيف بالثناء على المحتفى به لكونه يمثل «جوهر إسرائيل نفسها» وباعتباره أدرك أهمية و«ضرورة امتلاك القوة». كما أشاد بأفضاله الرؤيوية «حيث علّمنا أن لا نقبل أبداً بالعالم كما هو».
إذا كانت القوة وتغيير العالم من خلالها هي مقاييس الوسام، فلا شك أن بيريز يستحقه بجدارة. لكن هذه الميدالية المدنية الأميركية الأرفع أراد مؤسسها الرئيس ترومان عام 1945 وكان أسمها «ميدالية الحرية» تخصيصها لتكريم المدنيين الأميركيين الذين قدموا أعمالاً «ساعدت المجهود الحربي». ثم اصدر الرئيس كينيدي عام 1963 مرسوماً يحصر منحها بالأفراد الذين ساهموا في «خدمة الأمن والمصالح الأميركية أو في خدمة السلام العالمي أو الذين حققوا انجازات هامة ثقافية وغيرها».
تجاوز الرؤساء أحياناً هذا النصّ المطاط فمنحوا الوسام لستة عشر رئيس دولة أو حكومة أجنبية، من بينهم تاتشر والسادات. ويمكن فهم ذلك باعتبار أن هذه الشخصيات قدمت بصورة او بأخرى، خدمات للمصالح الأميركية. لكن ماذا قدّم بيريز ؟
المعروف والثابت أن أميركا هي صاحبة التقديمات من كل صنف لإسرائيل وقياداتها وليس العكس. وها هو بيريز نفسه، في كلمته أثناء هذا التكريم يعترف قائلاً : «شكراً لأميركا لاهتمامها بسلامتنا وبمستقبلنا». فالذي يستحق التكريم في هذه المعادلة، هو الجانب الأميركي وليس الإسرائيلي.
انقلبت القاعدة
لكن القاعدة انقلبت والسبب يكمن في التوقيت. قبل شهور حدّد البيت الأبيض قائمة مستحقي هذه الميدالية للعام الجاري. شملت 12 أميركياً وبيريز. الفريق الأول كان من ضمنه رواد فضاء ومسؤولون سابقون من بينهم وزيرة الخارجية سابقاً مادلين أولبرايت، التي تعرفت مؤخراً على جذورها اليهودية الأوروبية وكتبت كتاباً عن هذه السيرة.
هذه المجموعة تمّ تكريمها دفعة واحدة خلال الشهر الماضي. شمعون بيريز جرى الاحتفال بتكريمه لوحده وبعد أسابيع من تكريم الأميركيين.
ربما لأنه أجنبي، جرت له حفلة خاصة. لكن تأخيرها، تفوح منه رائحة التوظيف الانتخابي. فهي جاءت في لحظة ترتفع فيها حرارة الحملة الانتخابية. الرسالة موجهة إلى الصوت اليهودي، ولو أن أكثرية اليهود تصبّ عادة أصواتها لمرشح الحزب الديمقراطي. أي للرئيس أوباما.
لكن جرى تأليب كثير من اليهود ضدّه، بزعم انه «معاد» لإسرائيل ! كل التراجعات التي أقدم عليها، من مسألة المستوطنات إلى الدولة الفلسطينية العتيدة؛ لم تكن كافية وفق دفتر شروط نتانياهو ومفاتيح الدولة العبرية في واشنطن. تراجعات أثارت حتى اعتراضات أميركية عالية، في حينه. المآخذ الممزوجة بقدر ملحوظ من السخط، تردّدت علناً حينذاك ومن جهات محسوبة على الرئيس. البعض رأى أنه «رضخ وأذعن» لنتانياهو. واليوم أثار منح بيريز لهذه الميدالية، اعتراضات وإن قليلة ومخنوقة. لكنها موجودة.
أولوية أوباما
أولوية الرئيس أوباما تجديد رئاسته. وهذا حقه كأي رئيس سبقه. لكن سعيه معطوب، قد يكلفه خسارة البيت الأبيض. نقطة ضعفه أنه يتعامل مع الاقتحامات الموجهة ضده، بالمراضاة والانكفاء. هكذا هي حاله مع خصومه الجمهوريين في الكونغرس وخارجه. كما هي أيضاً مع إسرائيل. وعلى هاتين الجبهتين، خسر أوباما جولات كثيرة. واليوم يمنح رئيس إسرائيل هذا الوسام الرفيع، بعد كل الإحراج الذي تسببت به هذه الأخيرة له. ممارسة لا تسعفه. بل قد تعزز صورة الضعف عنه.