لاتزال كفة الميزان الانتخابي الأميركي راجحة لمصلحة الرئيس باراك أوباما. ولو بفارق خيط رفيع.

خصمه الجمهوري مت رومني، لم يقو بعد على احتلال الصدارة، لكنه صار قاب قوسين أو أدنى من الرئيس في استبيانات الرأي، بفاصل ثلاث إلى أربع نقاط فقط. وصوله في هذا الوقت المبكر من الحملة الانتخابية إلى هذا الحدّ واستمرار احتفاظه بهذا الموقع منذ أكثر من ثلاثة أسابيع متتالية ومفتوحة على المزيد، دقّ جرس الإنذار. أثار القلق والتخوف لدى فريق أوباما الانتخابي. وهو قلق مشروع. فإذا كان من المتوقع منذ البداية، أن معركة الرئيس لن تكون سهلة بسبب التعثر الاقتصادي إلاّ انه كان من المستبعد أن يقوى رومني، صاحب الحضور الباهت والكاريزما المفقودة، وقبل كل شيء صاحب الخطاب الخاوي، على تحقيق مثل هذا التقدّم السريع ومزاحمة أوباما بحدود هذا الفارق البسيط والصمود عنده، قبل خمسة أشهر من موعد الاستحقاق الرئاسي.

تآكل رصيد

في الواقع ما بدا انه صعود لرومني هو في حقيقته تآكل إن لم يكن هبوط لرصيد أوباما. أدّى إلى ذلك تضافر مجموعة عوامل، لا علاقة للمرشح الجمهوري بها. على رأسها الأرقام الرسمية الأخيرة لمعدلات البطالة المخيبة للإدارة (8,2 في المئة) وانكماش سوق العمل. يضاف إلى ذلك تفاقم الأزمة الأوروبية والتخوف من انتشار عدواها بحيث تؤدي إلى 2008 أخرى. شبح هذه الأخيرة عاد إلى الساحة، خاصة بعد انكشاف أمر الخسائر التي تكبّدها أحد البنوك الكبيرة بين 2 و4 مليارات دولار نتيجة دخوله بعمليات مضاربة شبيهة بتلك التي تسببت بالانهيار العقاري المالي الكبير قبل أربع سنوات. كل ذلك مع بعضه البعض دفع باتجاه فرملة الدورة الاقتصادية، واستطراداً مساعدة رومني على حساب أوباما. فالرئيس يدفع عادة ثمن الانتكاسات حتى ولو لم تكن من صنع يديه.

تردد وبرود

العامل الثاني الذي لا يقل أهمية، يتمثل في مزيج من تردّد أوباما والبعض يقول برودته الأقرب إلى الضعف ومن البلبلة في حملته الانتخابية، فهو كثيراً ما يؤثر العزوف عن لعب أوراق داخلية متاحة له.. التصدي يعتبره مواجهة، لا تتفق مع طبعه. يريد الظهور دوماً كرجل تسووي يقف في الوسط. في حين يتعامل خصومه معه بشراسة تفوح منها رائحة العنصرية. ففي الأسبوع الأخير عاد بعضهم إلى معزوفة «انه غير مولود في أميركا بل في غانا»، أي أن رئاسته غير شرعية، مع أنه سبق واستصدر قبل شهور شهادة ميلاد رسمية من المستشفى التي ولد فيها بولاية هاواي.

انتقاد كلينتون

طروحاته في جولاته الانتخابية وتشخيصه للمشكلات وتوصيفه لواقع الحال الاقتصادي، كلها مرتبكة. يزعم أن الأمور تسير في طريق الانتعاش، مع أن الوضع يعيش حالة ركود؛ حسب ما قال الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، الذي غمز من زاوية الرئيس وانتقده علناً. علماً بأنه يقف في خندقه، ما يشير إلى وجود قدر من التخبط والخلاف داخل الحزب الديمقراطي بشأن إدارة المعركة وصياغة خطابها. وكلينتون ليس الوحيد من أهل البيت الذين كشفوا عن اعتراضهم على سير الحملة الانتخابية، ثمة شخصيات حزبية أخرى أدلت بصوتها الاحتجاجي على الخط الذي يسلكه الرئيس، منهم خبراء انتخابات ورؤساء بلديات مدن كبرى، وحتى من بين كتّاب الرأي المؤيدين له. وثمة من يرى أن مثل هذه المناكفات العلنية الآن داخل الخيمة الديمقراطية، مؤشر سلبي مبكر.

مؤشر جديد

وليلة أول من أمس برز مؤشر آخر من هذا النوع، عندما كسب حاكم ولاية ويسكنسون الجمهوري معركة الاستفتاء الذي فرضه الديمقراطيون، لإزاحته من منصبه. نزل حزبه بكل ثقله إلى جانبه ليس فقط لضمان بقائه، بل أيضاً وقبل أي شيء لتسجيل فوز يؤدي إلى تزخيم حملة رومني ويبعث برسالة بأن مزاج الساحة الانتخابية جمهوري وليس ديمقراطيا. ومن جهة أخرى لزرع المزيد من البلبلة والإحباط في صفوف الحزب الديمقراطي وقواعده.

قبول رومني كان وما زال على درجة ملحوظة من الفتور. كان ضعفه أحد أهم أسباب قوة أوباما.

والآن يبدو المشهد وكأنه يجنح باتجاه معاكس ليصبح ارتباك أوباما مصدر قوة خصمه، إذا ما بقيت حملة هذا الأخير تعاني من الاهتزاز. الفرصة متاحة للتصحيح. المبادرة حتى الآن بيد الرئيس. لكنه في سباق مع الوقت.