كما كان متوقعاً، طوى المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية مت رومني صفحة انتخابات التصفية الحزبية لصالحه؛ بعد أربعة شهور على بدئها. وبذلك دخلت معركة الرئاسة مرحلتها الثانية الأخيرة والفاصلة، بينه وبين أوباما. كافة المؤشرات تنبئ بحملة غير مسبوقة بشراسة خطابها وكلفتها الباهظة، على مدى الأشهر الخمسة القادمة.

الى حين يوم الاقتراع في السادس من نوفمبر القادم، يشحذ كلا الحزبين أسلحته لتعظيم نقاط قوته ومهاجمة نقاط ضعف خصمه، طوال هذه الفترة. لكن عناصر القوة في هذه الانتخابات غير متوفرة بذاتها، بل بالمقارنة مع المرشح الآخر. لا منجزات أوباما الداخلية غنية كفاية لضمان تأييد واسع وثابت له ولا مواصفات ورؤية وخلفية رومني لامعة بدرجة تهدّد ترشيح أوباما جدّياً.

كلاهما يتكئ عموماً على أعطاب خصمه لتسويق نفسه، مع بقاء كفة اوباما راجحة وإن بقدر بسيط حتى الآن. وهذا ما يفسر ما طلعت به استبيانات الرأي الأولى حول المفاضلة بين المتنافسين. فقد كشفت أن رصيد رومني بين عموم الأميركيين قفز فجأة إلى معدل 43 في المئة، أي بفارق حوالي ثلاث نقاط أقل من اوباما نسبة لم يصلها مرة خلال معركة التصفية، في أوساط الناخبين الجمهوريين.

 

قناعة واعجاب

لكن صعود رومني هذا يعكس أجواء اللحظة الراهنة، اكثر مما هو تعبير عن قناعة وإعجاب بالبدائل الملتبسة التي يطرحها. فهو خرج للتوّ من معركة التصفية، يحيط به وهج فوزه الوازن بها. كما سرعان ما حظي بالتفاف حزبي عارم حول ترشيحه. نخبة الحزب وماكينته السياسية والانتخابية، دفعت به إلى الواجهة. فالجمهوريون يضعون كل ثقلهم وأوراقهم التي لا يستهان بها، وراء ترشيحه كما لم يفعلوا من قبل.

 ليس لأن رومني قيادي بارز أو صاحب نجومية باهرة. بل لتمكينه من الإطاحة بأوباما وحرمانه من ولاية رئاسية ثانية. هدف ما انفك المحافظون المجاهرة به بل يعتمدونه كأساس لخطابهم الانتخابي التحريضي لاستقطاب المستقلين وشريحة واسعة من قاعدتهم الانتخابية التي ما زالت غير متحمسة لرومني الذي لا ترى فيه اكثر من محافظ مزيّف. كما تشكو حملته من جوانب رخوة أخرى، يعمل فريقه بسباق محموم لمعالجتها؛ مثل ضعف رصيده لدى الأقليات والمرأة والناخبين الجدد.

 

نائب الرئيس

يعكف هذا الفريق الآن على البحث عن مرشح مناسب لمنصب نائب الرئيس، يسدّ شيء من العجز في معركة رومني. الأسماء المتداولة كثيرة، أبرزها السناتور الجمهوري روب بورتمن والنائب المحافظ القريب من حزب الشاي بول راين وحاكم ولاية مينيسوتا تيم بولانتي وغيرهم. وقد لا يرسو الخيار على أي من المطروحة اسماؤهم حالياً . وبكل حال لا يحسم هذا الأمر عادة قبل يوليو أغسطس القادمين، عشية المؤتمر العام للحزب أواسط الصيف والذي يجري التحضير له بحيث يتمخض عن تبني ترشيح رومني رسمياً بإجماع المندوبين عن كافة الولايات.او على الأقل عن تأييد غالبيتهم الكاسحة له.

بموازاة خطاب التحريض ضد أوباما، تصوّب حملة رومني على الوضع الاقتصادي المتعثر بتصويرها على أنها نقطة الضعف القوية في حملة الرئيس الاميركي، وهو مأخذ مبالغ فيه. صحيح ان الوضع لم يتعاف بدرجة ملحوظة لكنه خرج من دائرة الخطر ويزحف وإن ببطء نحو التحسن غير الكافي بالنسبة للناخب الأميركي، الذي غالباً ما يقترع من خلال جيبه وليس من خلال المعايير السياسية الأوسع.

 

نقاط ضعف

مع كل ذلك وبالرغم من تقليص رومني للفجوة مع أوباما، ما زال بيد الرئيس الاميركي أوراقه القادرة على المنافسة؛ الشخصية والخارجية بشكل خاص، بوصفه الذي طوى حرب العراق ويتعهد بطي صفحة حرب أفغانستان؛ فضلاً عن مقتل اسامة بن لادن الذي استحضره البيت الأبيض في الأيام الأخيرة بمناسبة مرور عام على عملية الاغتيال، كأحد انجازات اوباما. وقد أخذ على الإدارة مبالغتها في تسييس هذه العملية وتجييرها للحملة الانتخابية.

من نقاط ضعف أوباما أنه مارس الرئاسة والآن يخوض معركة التجديد، تحت عناوين جزئية واحياناً صغيرة على حساب الملفات والتحديات الكبيرة. ربما خوفاً من دفع الثمن السياسي وبما يؤثر على إعادة انتخابه. كان هذا القيد حاضراً في مواجهته للقضايا الفارقة.

حتى الآن يحتفظ اوباما بالمقدمة. وربما بقي كذلك إلى حين. لكنه لا يقف على أرض صلبة كفاية. رصيده ما زال تحت 50 في المئة فيما خصمه يقترب منه. هو متفوق على هذا الأخير بالمواصفات. لكن للظروف كلمتها في الانتخابات. ورحلة الأشهر المتبقية طويلة وقد تكون حافلة بالمستجدات التي تنقلب معها كل الحسابات والتوقعات.