ثمة قاسم مشترك هذه المرة لم يسبق ان جمع بين المعنيين بالملف النووي الإيراني. كل أطرافه بحاجة الآن إلى شراء وقت ودفع ثمنه. في السابق، كان كل طرف يريده مجاناً. الجانب الإيراني لم يكن مستعدا لدفع البدل. والجانب المقابل، كان غير جاهز لتقديم ما يكفي لحمل طهران على التنازل. وهكذا بقي الموضوع في حلقة مفرغة من المفاوضات المتقطعة، التي ما إن كانت تبدأ حتى تعود إلى المربع الأول. لكن الظروف تغيّرت وصارت ضاغطة.

 فسحة الوقت المتناقصة فرضت المرونة على سائر المواقف. ويبدو من المقدمات والترتيبات التي سبقت هذه الجولة، أن كل جهة تبغي من الجلوس على الطاولة التوصل إلى صيغة تحفظ ماء الوجه، وفي ذات الوقت تلبي الحدّ الأدنى من المطلوب للآخر أو على الأقل تضع المفاوضات، خلال الجلسة الأولى، في هذه الوجهة.

 

عقوبات وتفاوض

الاعتقاد السائد في واشنطن أن العقوبات ساهمت إلى حدّ بعيد في عودة إيران إلى التفاوض. حرمانها من التعاملات المالية الدولية ومن فقدان بعض زبائنها في سوق النفط، أدّى إلى هبوط صادراتها وبالتالي إيراداتها النفطية وألحق بها من الأذى ما لا تقوى على احتماله لفترة مديدة، خاصة وأن المزيد من الاختناق الاقتصادي على الطريق، عندما تدخل العقوبات الأوروبية حيز التنفيذ مع مطلع الصيف القادم ومنها منع شركات التأمين البحري الخاص بناقلات النفط من التعامل مع إيران.

ثم أن طهران أرادت بالمبادرة تبريد جبهة النووي لتنفيس لغة الحرب التي ارتفعت حرارتها في الآونة الأخيرة كما لم يحصل من قبل. وانعكس ذلك في الجدل المكشوف بين واشنطن وإسرائيل حول مقاربة هذا الملف وكيفية التعامل معه. وربما دخل اشتعال الساحة السورية في حسابات إيران ومرونتها، بحسب بعض القراءات. مرونة تمثلت في احد جوانبها بقبول طهران في النهاية وبعد أسابيع من المساومة وعدم التجاوب بأن تبدأ المفاوضات في اسطنبول.

 

تليين الموقف

إدارة الرئيس الاميركي باراك اوباما من جهتها تسعى لبلوغ حلحلة ما. التصريحات الرسمية نأت عن لغة التشدد والشروط المسبقة. وليس سراً أن واشنطن التي لا تأتمن للنوايا الإيرانية، ما زالت ترى أن طهران لم تتخذ بعد القرار النهائي بالتصنيع الحربي النووي، فضلاً عن أنها تحتاج إلى فترة تتراوح مسافتها بين تسعة شهور وعامين.

وعلى هذا الأساس، يعتزم الجانب الأميركي تليين الموقف في جلسة الافتتاح بقصد تسهيل التفاوض. فبدلاً من إصراره على مطالبة طهران بوجوب شحن معظم اليورانيوم المنخفض الدرجة خمسة في المئة كما فعل العام 2009، سيكتفي، بحسب المعلومات المتداولة، بطلب وقف التخصيب العالي الدرجة عشرين في المئة وشحن المنتج منه فقط، أي من دون المنخفض، إلى الخارج؛ مقابل تزويد طهران بما يحتاجه مفاعلها للأغراض الطبية من وقود نووية. موقف مخفف ولو أنه مرفق بطلب إقفال منشأة «فوردو» قرب مدينة قمّ التي يجري فيها التخصيب العالي.

 

تقسيط المطالب

ومن التلميحات أن الإدارة تنوي «تقسيط» هذه المطالب وليس مفاتحة طهران بها دفعة واحدة. ومن علامات المرونة أيضاً أن واشنطن وافقت من حيث المبدأ، على أن تكون الجولة الثانية في مكان آخر، ليس بالضرورة بكين أو بغداد، كما اقترحت طهران. تتلاقى المصالح المختلفة في هذه اللحظة، عند تعويم ما للمفاوضات.

كل جهة بحاجة لالتقاط الأنفاس. أوباما كما طهران. وحتى موسكو المشغولة بسوريا. ولا يستبعد المراقبون، ومنهم من يرجح، خروج الجلسة الأولى بفتحة وإن بسيطة، على الأقل لتبرير عقد الجلسة الثانية وبسرعة. فالفشل التام يقفل الباب ولا يحتمله أحد. والكل يعرف أن الكسب المتوازن للوقت هو اسم اللعبة الآن وحتى إشعار آخر.