في أحد أفلام «التشويق» الأميركية، يشرح البطل سبب تحوله إلى طريق الإجرام، وذلك عندما يحاول إنقاذ أطفال عراقيين من أحد «إرهابيي القاعدة»، فتقوم قناة الجزيرة الفضائية ببث خبر يفيد بأن الجندي الأميركي هو الذي قتل الأطفال، فتنقلب حياة هذا الرجل، ويسلك طريق الخطأ.
بمثل هذا التبسيط، تحاول «هوليوود» تصوير الجرائم التي اقترفها بعض الجنود الأميركيين في العراق وأفغانستان ضد المدنيين العراقيين، وخصوصاً الأطفال والنساء، على أنها افتراءات إعلامية، تحاول أن تنال من الشخصية المثالية للجندي الأميركي، التي دأبت «هوليود» على تصنيعها عبر سلسلة من الأفلام خلال عقود طويلة.
انتهاكات خطيرة
ولكن حقيقة الأمر، تُظهر أن بعض الجنود الأميركيين قاموا بانتهاكات خطيرة لا يمكن التغاضي عنها، وأفعال شكَّلت استهتاراً بمشاعر وقيم العراقيين والأفغان، بوعي مسبق وتصميم على كسر إرادة المعتقلين، كما حدث مع فضيحة سجن أبو غريب في العراق، أو التبول على جثث القتلى في أفغانستان. وباستعراض بسيط لمجمل الحوادث التي سُجلت في هذا الصدد، تأتي قصة الرقيب الأميركي فرانك ووتريتش، المتهم بالمسؤولية عن قتل 19 شخصاً، صباح يوم التاسع عشر من نوفمبر 2005، في عدة منازل.
يضاف إليهم خمسة أشخاص كانوا في سيارة توقفت قرب المكان، فأطلق عليها الجنود الأميركيون النار وأردوا كل من فيها. وبين الضحايا عشر نساء أو أطفال قُتلوا من مسافة قريبة جداً. ومثلها حادثة إطلاق جندي أميركي النار على مدنيين أفغان، ما أدى إلى مقتل 16 مدنياً، بينهم تسعة أطفال وثلاث نساء في مارس الماضي.
حرق القرآن
وتوالت تجاوزات وجرائم الجنود الأميركيين في هذين البلدين، مع عثور العمال الأفغان في فبراير الماضي على نسخ محروقة من القرآن الكريم في قاعدة عسكرية أميركية بالقرب من كابول، ما أثار احتجاجات غاضبة ضد القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، وهو ما اضطر الرئيس الأميركي باراك أوباما للاعتذار والأمر بإجراء تحقيق.
كما ظهر شريط مصوَّر مطلع العام الجاري لجندي أميركي يتبول على جثث القتلى من مقاتلي حركة طالبان في أفغانستان، بالإضافة إلى شريط آخر يُظهر أربعة من مشاة البحرية الأميركية الذين يرتدون زياً عسكرياً وهم يتبولون على ثلاث جثث، مطلقين نكاتاً ساخرة عن القتلى.
وأدان حينها الرئيس الأفغاني حامد قرضاي هذا الشريط، واصفاً هذه الإجراءات بأنها «غير إنسانية»، مطالباً بإجراء تحقيق، قيل إن الجهات الأميركية المختصة باشرت فيه.
بلاك ووتر
وعلى الصعيد ذاته، اتُهمت مجموعة من حراس شركة «بلاك ووتر» الأمنية، بقتل 14 مدنياً عراقياً بشكل عشوائي، أثناء قيامها بحراسة قافلة من أربع سيارات لدبلوماسيين أميركيين في بغداد في 16 سبتمبر 2007.
أما الفضيحة الكبرى التي تتعلق بالممارسات غير الإنسانية بحق المعتقلين في سجن أبو غريب، والتي ظهرت صورها على شبكات التواصل الاجتماعي، فقد أدت إلى تحطيم الصورة المثالية للجندي الأميركي الذي ظهر في هذه الصور المتطرفة في ساديتها، بخلاف الصورة التي روجتها ماكينة الدعاية الأميركية طوال عقود.
تساؤلات ومصائر
أما مصير هؤلاء المجرمين، فهو في عهدة القضاء الأميركي، الذي أثيرت تساؤلات حول مصداقيته، بعد أن أُسقطت التهم في قضية حديثة عن ستة جنود وحُكم ببراءة الجندي السابع، فيما تم تخفيض رتبة الرقيب ووتريتش إلى جندي دون أن يتم تخفيض راتبه، ما أثار استهجان الكثيرين الذين اضطرت الخارجية الأميركية لأن تعلن أن مجزرة حديثة كانت «مأساة بالنسبة للولايات المتحدة وللعراق، وقد استخلصت منها الولايات المتحدة العبرة»، رافضة مع ذلك التعليق على الحكم الذي أصدرته المحكمة العسكرية الأميركية.
وبالنسبة لقضية بلاك ووتر، أسقطت المحكمة الاتحادية جميع التهم الموجهة إلى حراس «بلاك ووتر»، أواخر 2009، بدعوى أن السلطات العدلية الأميركية استخدمت بشكل خاطئ اعترافات أدلى بها المتهمون تحت الإكراه، عندما تم تهديدهم بفقدان وظائفهم، ما شكل خرقاً للتعديل الخامس في الدستور الأميركي.
إفراغ للمحتوى
فمثل هذا القرار الذي اتخذته محكمة الاستئناف الأميركية بإجماع قضاتها الثلاثة، يشكِّل المشكلة الأساسية في هذه القضية، والتي تحولت إلى قضايا جزئية تخص هذا المتهم أو ذاك، في إفراغ متعمَّد للقضية من محتواها.
ولا يقف الأمر عند تحويل هذه القضايا التي يمكن أن توصف بأنها جرائم حرب، عند تجزئتها وتحويلها إلى موضوعات جزئية تخص هذا الجندي أو ذاك، بل بالمبدأ نفسه الذي يبرئ الضباط ذوي الرتب العالية من تبعات هذه القضايا، وحصرها بذوي الرتب المتدنية نسبياً.
