«عودة» رئيس الوزراء الروسي السابق فلاديمير بوتين إلى الكرملين تعد بمثابة إعلان رسمي عن تبوّئه منصب الرئاسة ليس أكثر. فالكثير من الإشارات كانت تشي خلال سني حكم سلفه ديمتري مدفيديف، والذي سيصبح بدوره رئيساً للحكومة، أن بوتين كان الممسك بزمام الأمور في الملفات الداخلية والخارجية.

نجح بوتين بتصدر المشهد الروسي في حقبةٍ كانت بلاده تعاني أزماتٍ عديدة، تبدأ من الانفلات الأمني وتمر بالانهيار الاقتصادي ولا تنتهي بالغياب التام عن الساحة الدولية.

حرب داغستان والشيشان في أغسطس 1999، أذنت بتقديمه إلى الرأي العام في شخصية الرجل القوي الذي لا يهادن ويضرب بيدٍ من حديد إن تطلب الأمر. وفعلاً، قضى بوتين على خصومه في القوقاز بشكلٍ مفاجئ وسريع أدهش الجميع، في حربٍ استنزفت مقدرات موسكو طيلة عقد كامل إبان حكم بوريس يلتسين وأذلتها في اتفاقية إنهاء الحرب الأولى مع جوهر دوداييف منتصف تسعينات القرن.

عمد بوتين بعد دخوله الكرملين تدريجياً إلى القضاء على «الدائرة الضيقة» من الأوليغاركيين الجشعين، الذين عرفوه على يلتسين، فهرب منهم من هرب وسجن منهم من سجن وهمش آخرون في الداخل، فيما يشبه الإقامة الجبرية.

أكسبت تلك الخطوات بوتين شعبية عارمة بعد أن أعيا الثراء الفاحش، الناجم عن الفساد الممارس بوقاحة والأساليب المافياوية المولدة له، الشعب الروسي الفقير، فضلاً عن أزمة 1998 الاقتصادية التي زادت الطين بلة.

 

عوامل وأساليب

كان بوتين سعيد الحظ بارتفاع أسعار النفط في عهده، ما أدى إلى بحبوحة أنعشت فئتي الطبقة المتوسطة والشباب اللتين رأتا في شخصيته «الجسورة» المحبة لصيد النمور والثعابين ومواجهة الدببة في البراري، مثلاً أعلى، خاصة أن الأمة الروسية «لاذت» تاريخياً بحكمٍ أبوي عبر «إيفان الرهيب» والعهدين «اللينيني» و«الستاليني»، دون أن تكون مفاهيم الديمقراطية والحرية الفردية موضع أولوياتها. نجاح بوتين في القضاء على المعارضة الداخلية وتقييد تحركاتها وإعادة وسائل الإعلام إلى حظيرة النظام وتدجين السلطة القضائية وترسيخ هيبة السلطة المركزية القوية في دولة مترامية الأطراف، لم يترك لمعارضيه أو حتى لرموز الحكم سوى «الإذعان» لقيصر روسيا الجديد.

 

الخارج والداخل

وعليه، لم يجد بوتين ضيراً في التراجع خطوة «شكلية» إلى الوراء لبضعة أعوام وضع فيها صديقه وابن مدينته سانت بطرسبيرغ مدفيديف في الكرملين، ليبقى مع ذلك الآمر الناهي في تحديد شكل العلاقات الخارجية لموسكو، متسلحاً بإرث العلاقات التقليدية لحلفاء الاتحاد السوفييتي ونافخاً فيه الروح، ومعيداً عوامل القوة الروسية إلى الواجهة عن طريق زعزعة مشروع الدرع الصاروخية الأميركي والتهديد المستمر بوقف الغاز المصدر إلى أوروبا.

أما داخلياً، فنجح في «خلق» معارضة بشروط الكرملين تدخل لعبة يرسم قواعدها هو ذاته، حتى باتت تصرفاتٍ من قبيل إغلاق مواقع الكترونية أو قمع متظاهرين في الشارع وسوقهم إلى السجن أمورا اعتيادية، كانت تنال شجب مدفيديف نفسه في إطار تقليد «تبادل الأدوار».

وكان من اللافت الرغبة في إفراغ منصب رئاسة الوزراء من مضمونه، لتتحول لعبة «تبادل الأدوار» إلى «تبادل المناصب» بين بوتين، رئيس الوزراء والرئيس مرتين، ومدفيديف، الرئيس ورئيس الوزراء مرة.

 

محاذير ومخاطر

واليوم، وبعد أن عاد، دون أن يخرج، إلى الكرملين ليحكم حتى 2018 أو 2024، يترقب الروس الكيفية التي سيتعامل بها بوتين مع المعارضة تحديداً، بعد أن نجحت الأخيرة في حشد عشرات آلاف المحتجين على أسلوب حكمه في تظاهرات متصاعدة بدأت تأخذ منحى العصيان المدني، على نمط «مسيرات أبواق السيارات» و«السلاسل البشرية البيضاء».

ناقوس الخطر دق في التراجع المطرد لشعبية بوتين منذ ديسمبر الماضي، والتي لن يسعفها نسبة الـ66 في المئة المشكوك بأمرها التي صوتت له في انتخابات الرئاسة، حيث سار هذا الانحدار بالتوازي مع اتساع رقعة الأرض التي تكسبها المعارضة الليبرالية يوماً بعد يوم، رغم أن الأخيرة تبقى منقسمة ومخترقة وغير قادرة على إيجاد شخصية «كاريزمية» تقض مضاجع بوتين، دون نسيان الحملات الممنهجة التي يشنها النظام على رموز المعارضة سعياً لضربها أخلاقياً وتجريدها من عوامل قوتها الماثلة في انتقاد فساد الحاكم وطبقة المحيطين به.

 أغلب الظن أن سيد الكرملين سيحاول الانفتاح على المعارضة، بحذر وانتقائية شديدة ضمن خطوط حمراء، في المستقبل القريب، مع إدراكه أن الشخصية الكاريزمية قد تضعضع حكمه، وأن الاكتفاء في الوقت ذاته بـ«حوار شكلي» مع المعارضة سيشعل أسباباً إضافية لإثارة غضب الرأي العام المتململ.

ويكمن الخطر على بوتين أيضاً، في أن الطبقة المتوسطة وفئة الشباب التي دعمته طيلة أعوام، هي نفسها من تخرج إلى الشوارع اليوم تحت الثلوج لتبدي امتعاضها منه، آخذة عليه «فوقيته» في التعامل مع الشارع الروسي «كمجموعة من القُصّر»، مستفيدةّ بذلك من نسائم الربيع العربي وثورة الاتصالات.

كما يتأتى مقتل سيد الكرملين في ركونه إلى النفط والغاز وصادرات السلاح كعوامل قوة لتعزيز التنمية داخلياً وموقف موسكو خارجياً. إذ ان تلك الأسواق غير مأمونة الجانب وخاضعة لتقلبات السياسة والاقتصاد، ما قد يعني في نهاية المطاف تدهوراً شاملاً على كافة الصعد، يمكن أن يكون تدريجياً كما في انهيار الاتحاد السوفييتي، أو فجائياً مثلما حصل في أزمة 1998، واللتين سطرتا نهاية الحكم الشيوعي واليلتسيني.