لو تقيّد الرئيس الأميركي باراك أوباما بالنص الدستوري على الرئيس من حين لآخر سنوياً حسب العرف الساري من إطلاع الكونغرس على حالة الاتحاد لكان عليه أن يختم خطابه بعبارة: إن حال البلاد ليس على ما يرام. هذا هو الواقع المعروف. لكن التقليد المتوارث يقتضيه القول ان «حالة الاتحاد قوية»، أو «ستبقى دوماً قوية»، حسب تعبيره؛ بغية رسم صورة متفائلة تطمئن الأميركيين وتذكّر العالم بالقدرات الأميركية. خاتمة انتهت بها خطب الرؤساء الأميركيين ما عدا الرئيس فورد عام 1975 حين قال ان "الحالة سيئة" وذلك في أعقاب فضيحة «ووترغيت» واضطرار الرئيس ريتشارد نيكسون آنذاك للاستقالة بسببها.

في العادة ينقسم حديث الرئيس في هذه المناسبة إلى شقين: عرض منجزاته للسنة الفائتة وتقديم أجندته ورؤيته للعام الجاري، على الصعيدين المحلي والخارجي. انجازاته الداخلية ضعيفة ومعطوبة. أو هكذا هي تبدو للأميركي، طالما هناك أكثر من 13 مليون عاطل عن العمل. تراخى أمام خصومه في الكونغرس، فنجحوا في سدّ الطريق أمام برامجه وإظهاره في العام الانتخابي وكأنه المسؤول عن التردي الاقتصادي المتواصل؛ والذي مازال يهدّد بعودة الركود، وفق تقديرات كثيرين من خبراء الاقتصاد. التعويض عنها كان في التصويب على عراقيل الجمهوريين، كما على غياب "الإنصاف" في توزيع العبء الضريبي وما نتج عن هذا الخلل من تزايد وسع الفجوة بين شرائح المجتمع. نقطة باتت تستقطب وتحظى باهتمام معظم الأميركيين الهابطة مداخيلهم ومستويات معيشتهم. كما باتت تفضح تواطؤ المحافظين في هذا المجال.

قضية يوظفها كإحدى نقاط قوته بالرغم من ارتفاع نسبة البطالة التي تشكل التهديد الأكبر لمعركته الانتخابية.

كان بإمكانه طرح مبادرات حاسمة لمعالجة هذا الواقع والانتقال من الدفاع إلى الهجوم. لكن جرياً على العادة، تهيّب الإقدام. ربما خوفاً من تسعير الحملة ضدّه بأنه يعمل على تغذية التفرقة والتحريض بين فئات المجتمع الأميركي. مع أن غيره، مثل الرئيس فرانكلن روزوفلت، سلك هذا السبيل وحقق المطلوب وتجاوز هذه التهمة.

بيان افتتاحي

وبذلك كانت كلمته أقرب إلى بيان افتتاحي لحملته الانتخابية، منها إلى تقديم عرض عن الأوضاع الراهنة وتعيين الوصفة الطبية المناسبة لها. همه أساساً محصور باستنفار قاعدته واستمالة المستقلين، مع خلخلة وإرباك جبهة الجمهوريين. الأولوية للمعركة وحساباتها وتكتيكاتها.

وفي هذا الإطار جاءت حبكة بيانه بارعة. لكن بمقاييس قيادية، بقي خطابه دون المواصفات المطلوبة. غاب عنه التصور البعيد والأفكار الكبيرة، المطلوبة لمواجهة التحديات العاتية، من العجز إلى الديون وحلحلة الجمود المالي والاقتصادي. لم يغادر دائرة اللعبة السياسية العادية وشطاراتها، ولو أن لهجته كانت أشد حزماً من أي مرة سابقة.

ولا يقتصر ذلك على السياسات الداخلية بل أيضاً على الخارجية. وقد تبدّى ذلك في مروره مرور الكرام على جدول القضايا الملتهبة، في المنطقة وغيرها؛ وبلغة العموميات. لكنه حرص على أن لا يبدو خارجاً على المألوف عندما جاء دور الإشارة إلى إسرائيل، حيث استدار فوراً إلى لغة التوكيد وتكرار الموال المعروف: «دعمنا لها فولاذي».

واجب دستوري

الخطاب الرئاسي هذا واجب دستوري وفرصة للرئيس. منبر لتسويق وتلميع وضعه وسياساته. الرئيس أوباما لديه قضية قوية في الداخل. لكنه متردد ومتراجع.

بدا ذلك بصورة جلية في هرولته أمام رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ومسحه لتعهداته الفلسطينية. «الثبات على الطرح» هو المعيار، يقول زبغنيو بريجنسكي. امتحان استعصى المرور فيه على أوباما.