عندما تنخفض شعبية رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين في استطلاعات الرأي 22 في المئة خلال ثلاثة أسابيع، وحينما يقول ثمانية في المئة فقط من الروس أن الانتخابات التشريعية في شهر ديسمبر الماضي كانت نزيهة، فهذا يعني أن على رجل روسيا القوي توقع الأسوأ. لا يعرف على وجه الدقة فيما إذا كان يمكن اعتبار انتداب الـ«كي جي بي» لبوتين إلى مهمات في برلين طواها النسيان، الاختبار الأول لشخصيته، أم أن تلك الصفات التي عرف بها هي التي أهلته لـ«المهمة المستحيلة».
يبدو بوتين، الذي خرج من الكرملين ولم يغادره، في ورطة هذه الأيام مع ارتفاع منسوب التململ الشعبي من محاولاته تجاوز العتبة الحمراء التي وضعها أمامه الرأي العام الروسي حينما منحه ثقته، بحيث إن تخطاها، فإنه يفتح على نفسه أبواب جهنم روسي يدفأ شتاء موسكو ويحيله ربيعاً سيتعدى في صداه بطبيعة الحال جاره العربي.
بل ولربما مآلات انهيار الاتحاد السوفييتي قبل أكثر بقليل من عشرين عاماً. بدأت صورة الرجل القوي مصارع النمور السيبيرية وقائد الدراجات النارية الكبيرة وبطل الجودو تتضعضع بعد أن غذتها بتؤدة وسائل الإعلام المختلفة التي وقعت شيئاً فشيئاً تحت قبضة الدولة.
والحال، إن الكيفية التي حكم من خلالها بوتين والطريقة التي وصل عبرها إلى الساحة الحمراء تتطلب تمحيصاً واسترجاعاً للذاكرة. فالطبقة الأوليغاركية، التي شن عليها حربه بعد تسلمه منصب الرئاسة في أول أيام القرن الجاري، هي نفسها من أوصلته إلى رئاسة الحكومة وأدخلته أجواء الكرملين الدافئة حتى استطاب له المقام فيه.
وجد من تولى رئاسة الوزراء مرتين، والولاية الرئاسية مرتين منذ العام 2000، في تلك الطبقة، المنخورة بالفساد على طريقة سدوم وعمورة، جسراً سهلاً للعبور نحو قلوب وعقول مواطنيه، لا سيما وأن العتبة الحمراء إياها كانت ديست مراراً وبفجاجة في عهد الرئيس الراحل بوريس يلتسين، الذي رسم لنفسه صورة المهرج السكير أو العاجز صحياً في أحسن الأحوال.
بعيد أفول النجمة الحمراء، كون «الروس الجدد» ثروات فلكية عبر صفقات مشبوهة استثمروا فيها إبان حقبة فوضى التسعينات، التي عرفت ازدهاراً للمافيا الملتصقة سيامياً بالطبقة السياسية، والتي بدورها ورثت عصر ديكتاتورية البروليتاريا مهد كل الشرور.
كان الباب الذي ولج منه بوتين، وهو مكافحة الفساد والإنصات إلى صرخات رجل الشارع المعدم، مدخلاً منطقياً ومرحباً به من كل روسي تواق إلى استعادة شيء من الأنفة الشيوعية، بعد أن مرغتها حركة التمرد في الشيشان في طينٍ زاده بلة عجز موسكو وجيشها العرمرم عن تحقيق ولو إنجاز صغير يحسب لها في حربها مع غروزني، اللهم سوى تصفية جوهر دودايف بضربة صاروخية إثر تنصت على مكالمة هاتفية كشف بواسطتها عن مكانه.
ومن الشيشان نفسها، كان بوتين خط أولى خطواته نحو السلطة بإدارته لمعاركها وتنفيذه لضرباتٍ عسكرية محكمة في جارتها داغستان بطريقةٍ أثارت إعجاب الجميع داخل وخارج روسيا، وأولهم أعداؤه، الذين لقوا مصيرهم المحتوم بعدما انتهى من مشكلة القوقاز. طفق رجل روسيا القوي يتخلص من أولئك المقربين منه فيما مضى، واحداً تلو الآخر، بحسب العادة المفضلة في مثل هذه الظروف، وهي فتح ملفات الفساد على طريقة: «ليس حباً في علي وإنما كرهاً لمعاوية»، فنال من فلاديمير غوزينسكي، الهارب، وبوريس بيرزوفسكي، المنفي اختيارياً، وميخائيل خودوركوفسكي، المسجون بتهمٍ تضمن بقاءه وراء القضبان.
ولأن المال يختلط دوماً في السياسة، تمكن بوتين من «ترويض» أوليغاركيين آخرين من أمثال رومان أبراموفيتش، صديقه وحاكم ولاية سابق، وميخائيل بروخوروف، المرشح «المستقل» لانتخابات مارس المقبل الرئاسية، والموصوم بأنه ترشح كهدية لبوتين بهدف إضفاء شرعية على الاستحقاق المشكوك بنزاهته.
ورغم أن الشعب الروسي لم يعرف عنه ذلك الإرث الديمقراطي العريق، وهو الذي تطلب منه الأمر مئات الأعوام للتخلص من حكم القياصرة وسبعة عقود لكنس غبار الشيوعية، فإنه احتاج إلى 12 عاماً لإشهار البطاقة الصفراء بوجه بوتين، بسبب تعديه للعتبة الحمراء التي أوصلت الشعب الروسي إلى ما وصل إليه فخرج إلى التظاهر بعشرات الآلاف بدرجة حرارة 30 تحت الصفر.
وبات رئيس الوزراء الروسي يواجه اليوم تحدياتٍ غير مسبوقة قد تغير من طبيعة المشهد الروسي، وتالياً الإقليمي والدولي، حيث عادت «عنقاوات» السياسة للظهور من تحت الرماد بانتظار استحقاق مارس المقبل وما سيليه من تصدعات وزلزال متوقعة.
ويعتبر ألكسي نافالني المدون الذي بدأ نجمه يلمع وشعبيته تزداد بقوة، منافساً مهماً على الرئاسة والنظير المعارض لبوتين في المستقبل القريب، دون نسيان رموز أخرى مهمة قد تنضوي تحت لوائه توحداً لإزاحة نموذج حكم بوتين-ميدفيدف، خاصة أن رزم الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف الإصلاحية لم تجد آذاناً صاغية لا من المعارضة، التي لا تأخذه على محمل الجدية، ولا من صقور الحكم المحسوبة على بوتين، التي تفضل خيار الصدام على التسويات والحلول الوسط.
والدليل على ذلك، تعيين مسؤولين أمنيين سابقين في مواقع حساسة بينهم اليكسي ناريشيكن الذي عين رئيساً للديوان الرئاسي، فيما عين القومي المتشدد ديمتري روغوزين المعارض بقوة لـ«الناتو» نائباً لرئيس الوزراء لشؤون الإنتاج الحربي، وهي خطوة اعتبرتها المعارضة «رسالة تحذير» إلى الغرب بألا يتدخل في مسار الأحداث الداخلية. إذاً، قد تكون روسيا مقبلة على ربيعها الخاص، ولكن المؤشرات تدل على أن إرهاصات ذلك الربيع، وإن بدأت، فإن العواقب بحاجة إلى بضعة أعوام لكي تنضج، جرياً على التقليد الروسي في التغيير البطيء.