التأزم بين أميركا وإيران، صار حالة مألوفة. ترتفع حرارته وتهبط بوتيرة شبه دورية.
فأكثر من مرة بدا التوتر بينهما وكأنه وصل إلى تخوم الاحتكاك. ثم يتراجع إلى حدود الأزمة الصامتة المفتوحة دائماً على التسخين. وفي الأيام الأخيرة، شهد هذا المسلسل عملية تصعيد نوعي غير مسبوق. الخطوات التي اتخذها أو هدّد باتخاذها الطرفان، تلامس العصب على الجانبين. تسعير الحرب الاقتصادية ضدّ النووي الإيراني، قابله تهديد باستخدام القوة لسدّ أحد الشرايين الرئيسية للاقتصاد العالمي.
لكن رغم ما ينطوي عليه هذا التطور من مخاطر واحتمالات المصادمة، يستبعد العارفون في واشنطن انزلاق الوضع إلى مواجهة ميدانية بين البلدين. الموانع كثيرة، سياسية وعسكرية واقتصادية. فرغم الضجيج، تبدو الأزمة باقية في حدود لعبة العض على الأصابع. ولو الموجع أكثر من ذي قبل.
ويرى المراقبون أن ارتفاع نبرة تهديدات طهران ضدّ التواجد الأميركي في مياه الخليج العربي، تعكس التخوف من اقتراب العقوبات من القطاع النفطي. كما تعكس مدى الضيق من الأذى الذي أحدثته العقوبات الأوروبية الأميركية في جسم الاقتصاد الإيراني، خاصة الإجراء الذي اتخذته إدارة أوباما قبل أيام، ضدّ البنك المركزي الإيراني والقاضي بمنع أي جهة أو مؤسسة مالية أجنبية تتعامل مع هذا البنك من القيام بعمليات تجارية مع الشركات والمؤسسات الأميركية، الأمر الذي تسبب بهبوط فوري لقيمة الريال الإيراني بنسبة 12 في المئة، ولو أنه استعاد 8 في المئة منها في اليوم التالي. وتشير التقارير إلى أن هذه العملة فقدت حوالي ثلث قيمتها خلال السنة الأخيرة، إذ بات الدولار يوازي 16800 ريال بعد أن كان بحدود 10500 أواخر العام 2010.
حافز ورد
الإدارة الأميركية سارعت إلى توظيف هذا الهبوط لتسويغ سياسة العقوبات، كردّ على الدوائر الأميركية المحافظة الداعية إلى التصعيد الميداني مع إيران؛ وكحافز لتعميم العقوبات وتوسيع دائرتها الدولية. «سنواصل هذا التوجه ونتطلع إلى رؤية دول أخرى تبادر إلى تطبيق العقوبات المفروضة على إيران».. تقول الناطقة الرسمية في الخارجية، فكتوريا نولاند في جواب على سؤال لـ «البيان».
وفي هذا السياق، أوضحت نولاند أن الإدارة تعمل لتوفير مصادر نفطية بديلة لتزويد الدول الصديقة، كاليابان، بما تحتاجه من نفط كانت تستورده من إيران؛ وذلك لحملها على الانضمام إلى صف المقاطعين لطهران. إشارة واضحة على اعتزام واشنطن الدفع بسياسة العقوبات لتطول القطاع النفطي، الذي تشكل موارده 60 في المئة من الاقتصاد الإيراني؛ وفق التقديرات الأميركية. وواكب هذا التوجه تحذيرات رسمية على أكثر من مستوى، من عواقب اللجوء إلى الخيار العسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية.
إن أي عملية من هذا النوع من شأنها «دفع الشرق الأوسط إلى مواجهة سوف نندم عليها».. يقول وزير الدفاع ليون بانيتا في كلمة ألقاها أمام حضور يهودي أميركي. وتحذيره هذا موجّه إلى إسرائيل في أعقاب ما تردد أخيراً عن احتمال قيام هذه الأخيرة بعمل عسكري ضد المواقع النووية الإيرانية. ولو أنه عاد واستدرك، بعد اعتراض السفارة الإسرائيلية في واشنطن؛ ليكرر الموقف الرمادي الأميركي المعروف والقائل بأن «كل الخيارات على الطاولة» بما فيها العسكري، لكنه خيار تقتضيه قواعد اللعبة.
مجال متاح
«القوة ليست محتومة ضدّ المشروع النووي الإيراني. ولا ينبغي أن تكون كذلك»، يقول دينس روس المسؤول عن الملف الإيراني في البيت الأبيض والذي ترك منصبه قبل أقل من شهرين. والسبب أن «المجال متاح ومساحة الوقت لاتزال متوفرة نظراً للصعوبات التي يواجهها المشروع»، للحيلولة دون بلوغ إيران مرحلة التصنيع النووي العسكري. وهو تقدير سبق أن اعتمدته وكالة الاستخبارات المركزية (سي.آي.إيه) خلال الصيف الماضي.
إدارة أباما تقول إنها رست على العقوبات وحتى إشعار آخر. وتراهن على المزيد من آثارها السلبية على الريال وهبوط قدرته الشرائية، من خلال تجفيف علاقات التبادل المالي والتجاري مع الخارج، قدر الإمكان؛ مع ما قد يؤدي إليه ذلك من مفاقمة وضع داخلي مأزوم سياسياً، حسب التوصيف الأميركي. بل مرشح للمزيد من التأزم مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي في الربيع المقبل، ما قد يؤدي إلى إرباك وعرقلة المشروع النووي، الذي يسود الاعتقاد بأنه ليس على نار حامية بعد.
السؤال: إذا كان الأمر كذلك فلماذا هذه القفزة النوعية في تصعيد العقوبات الأميركية الآن ؟
المسألة ليست في النووي وحده. خلفه ومن خلاله، يدور الصراع بين البلدين حول الحصص في معادلة أكبر يجري تركيبها في الجوار. كل جانب يوظف أوراقه لتحسين شروطه فيها وتفصيلها على قياساته، بما استطاع. كلاهما يحرص على عدم الإطاحة بها، بقدر حرصه على تحجيم نفوذ الآخر في إطارها. التخوف فقط من الخطأ في الحسابات، أو من احتكاكات وتحرشات قد تخرج عن السيطرة. مع ذلك ليس في الأجواء ما يثير القلق الجدّي. « فالتهديد بإقفال المضيق ليس بجديد» كما يقول الخبير انتوني كوردسمان، من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن. ولا من مصلحة إيران خنق نفسها بسد شريان مصالحها مع العالم.