أعاد مشهد اقتحام السفارة البريطانية في قلب العاصمة طهران قبل اسبوعين مشهد اقتحام السفارة الأميركية قبل 31 عاماً. جموع من المتظاهرين الغاضبين يتسلقون جدران السفارة البريطانية ويقتحمونها ويعبثون بمحتوياتها.. إنه مشهد يعيد نفسه بشكل صارخ، ويرسم ملامح المرحلة المقبلة بغموض أكثر.
إن ما جرى جعل من طهران تشك دائماً في مواقف الغرب اتجاهها، على رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث ترى في هذه الأخيرة عدواً أزلياً لها، وهو ما عكس توتراً مستفحلاً تحت رماد التوتر الإيراني الأميركي.
وأدى اقتحام السفارة الأميركية في طهران في أواخر سبعينات القرن العشرين الى نتائج حققت منها طهران آنذاك مكاسب سياسية واقتصادية، بل إن اقتحام السفارة كان منطلقاً لها في أن تدخل معترك المساومات الدولية عبر عمليات خطف واحتجاز للرهائن في دول المنطقة حققت من ورائها نتائج إيجابية ، فسياسة الابتزاز آتت أكلها في دعم مصالح إيران، ويبدو أن اقتحام السفارة الأميركية آنذاك كشف عما هو ليس في مصلحة الولايات المتحدة فقط، بل بريطانيا، إذ اظهرت الوثائق التي وقعت بأيدي الثوار خططاً ووثائق استخباراتية سرية مشتركة بين المخابرات الأميركية والبريطانية كلها تهدف إلى التخطيط لخلخلة الوضع الداخلي الجديد في طهران، ليضيف هذا الكشف مزيداً من التوتر وعدم الثقة في العلاقة المتوترة أصلاً بينهما، وليتصاعد الخلاف ويصل ذروته في منتصف الثمانينات بعد فتوى الخميني بقتل الكاتب سلمان رشدي وما صاحبها من تداعيات.
ومع بداية الألفية الجديدة، بالتحديد قبيل غزو العراق، عادت العلاقة بين الطرفين إلى مرحلة الهدوء، خصوصاً وأن بريطانيا كانت أرسلت مسؤوليها لطهران لمزيد من التعاون في ما يتعلق بمرحلة الاستعداد لغزو العراق في 2003.
نتيجة حتمية
وحول طبيعة العلاقة بين لندن وطهران، قال المحلل السياسي محمود الأحوازي في تصريح لـ «البيان» إنه «مع ان إيران تتهم بريطانيا الى جانب الولايات المتحدة بأنها تساند المعارضة ضد النظام... لكن هذا لم يؤثر حتى الآن في العلاقة بينهما، وأتصور الآن بالدرجة الأولى أن الغرب لمس اقتراب ايران من السلاح النووي، ولهذا بدأ مستعجلا في اتخاذ بعض التدابير لمنع ايران من صنعه، وإيقاف التعامل البريطاني مع جميع البنوك الإيرانية كان ضربة كبيرة لإيران حيث إن بريطانيا تمتلك ثلث المراكز المالية الأوروبية..
وإيقاف تعاملها يعني إيقاف تعامل معظم التعاملات الأوروبية، وإذا عرفنا أنه حتى التعامل الروسي والصيني يتم كثيرا منه من خلال المراكز المالية البريطانية، سنعرف حجم الضرر من هذا القرار، وهذا هو الذي أفقد الإيرانيين صوابهم، وقام الجناح المتشدد منهم الذي يقوده خامنئي بعملية الهجوم على السفارة، وأنا أتصور هذا كان عملاً انتحارياً للنظام الإيراني، ولا أتصور أن يتمكن من محو آثاره بسهولة، وبعد اغلاق سفارة ايران في لندن ستظهر له تداعيات كثيرة مستقبلا».
وأضاف أنه من الواضح أن تخبط النظام الإيراني وصل إلى مرحلة غير مفهومة تماما للمتابع لشؤون هذا البلد، حيث ان عملاً مثل هذا لا يدخل في أية معادلة بين ايران وبريطانيا، ولا يخدم ايران بشيء على الاطلاق، وذلك في إشارة إلى اقتحام السفارة البريطانية في طهران، وبالعكس ضرره بدا واضحاً تماماً منذ اليوم الأول، وردة الفعل الأوروبية والعالمية عليه أثبتت هذا الخطأ الكبير الذي ارتكبته السياسة الإيرانية، خاصة ان هذه العملية قادها الحرس بأوامر من المرشد علي خامنئي، وهذا ما أثبتته المناوشات بين قادة النظام بعد الحدث ومنه ما جاء في رسالة الرئيس الإيراني احمدي نجاد لخامنئي.
المواجهة مؤجلة
وحول احتمال توجيه الغرب ضربة عسكرية لإيران، يرى الخبير الاستراتيجي في جامعة لندن للعلوم السياسية جينفر مورين ان الغرب كان يتوعد دائماً بضرب ايران، لكن هذا لم يحدث منذ 30 عاماً، غير أن الوضع الآن اختلف لأن ايران على ابواب امتلاك سلاح نووي، وإذا كان الغرب صادقاً، فإن الضربة الوقائية قادمة، لأن وجود سلاح خطير في يد ايران يشكل خطرا على دول الجوار، وهذا بحد ذاته يكفي لتبرير الضربة. ويمكن القول ان ايران لن تضرب الا إذا تيقن الغرب انها أوشكت على امتلاك السلاح النووي.
أما الأمين العام المساعد لحزب الاستقلال في كوردستان ايران ابراهيم الجاف فيرى أن هذه التطورات جزء من الحرب الباردة بين الدول الغربية.