من رأى كيف كانت لهفة وخشوع المرشحين الجمهوريين للرئاسة، الذين تقاطروا لحضور اجتماع مع قيادات يهودية في واشنطن؛ ومن سمع خطاباتهم التي كانت أشبه بتقديم أوراق اعتماد تنافس أصحابها لتأتي فائضة عن دفتر الشروط الإسرائيلية؛ لربما التبس عليه الأمر، لجهة من هو التابع ومن هو المتبوع. وكأن المعادلة انقلبت، حيث بدا أن إسرائيل هي السيّد المطلوب إرضاؤه والمرشح الرئاسي هو طالب قبولها له! ما كشفوا عنه من رخص وابتذال لا يليق بمنصب رئاسة دولة عظمى. فضلاً عن ما فاضت به قرائحهم من إشارات عدائية واستفزازية واعدة بالمزيد من التصلب، تجاه المنطقة. وما صدر عنهم وتعهّدوا به، ليس بضاعة انتخابية فقط. بل هو صادر عن قناعة أيديولوجية، لدى أصحابها كل الاستعداد لترجمته واعتماده كسياسة؛ لو فاز أحدهم بالبيت الأبيض.
استثناء مرشح
تباروا فيما بينهم ـ ما عدا المرشح النائب رون بول الذي استثني من الدعوة لانه طالب بوقف المساعدات الخارجية بما فيها المساعدات لاسرائيل ـ عمن يكون الأسبق في نقل السفارة الأميركية إلى القدس وعمن تكون أول زيارة خارجية له إلى إسرائيل؛ متجاوزين بذلك التقليد التاريخي بأن تكون الزيارة الرئاسية الخارجية الأولى إلى الجارة كندا. كما عمن يكون المبادر في ضرب إيران. تنافسوا في التشديد على «خطر التشدّد الإسلامي»، مع الغمز من زاوية «العالم الإسلامي المبنية علاقاتنا معه على حزمة من الأكاذيب»، كما قال المرشح الطليعي نيوت غينغريتش الذي قال إنه سيتخلّى عن «أسلوب الملاطفة مع دول الخليج».
ليس ذلك فحسب بل إنه تعهّد بتعيين جون بولتون، أحد منظّري سياسة العصا والمعروفة مواقفه ومقارباته العنصرية إزاء العرب وعموم المنطقة منذ أن كان سفيراً في الأمم المتحدة أيام بوش، وزيراً للخارجية في إدارته. خيار أثار استياء فريق كبير من المعنيين في شؤون السياسة الخارجية. ولم يكن الآخرون أقل منه فظاظة، في احتضان إسرائيل وتجاهل عملية السلام وحقوق الشعب الفلسطيني. فهذه أمور ليسوا معنيين بالتعامل معها سوى من خلال منظار نتنياهو. حتى أوباما الذي رفع العلم الأبيض أمام هذا الأخير، لم يسلم من الهجوم، بزعم أنه «عمل كل ما بوسعه لاسترضاء الفلسطينيين والعرب على حساب حليفتنا إسرائيل»!
المنافس المتفوق
المعروف عن الكونغرس الأميركي أنه صخرة النفوذ الإسرائيلي في واشنطن. لا أحد يتقدم عليه في التماهي مع الدولة العبرية والسخاء في توفير الدعم لها وبما يفيض عن حاجتها. لكن ما يظهره المرشحون الجمهوريون للرئاسة من ارتماء في حضن إسرائيل، يضعهم في موقع المنافس المتفوق على الكونغرس في هذا الخصوص. وبذلك يكتمل المشهد: كونغرس يضع نفسه طوعاً وبما يزيد على مقتضيات التحالف الاستراتيجي، في جيب إسرائيل وبيت أبيض محتمل، من طينة أيديولوجية وسياسية يابسة لا ترى في الدنيا غير الدولة العبرية. إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يعلنون إسرائيل الولاية الواحد والخمسين؟؟