قطع لبنان أولى المرحلة الأولى لتثيبت حدوده البحرية الاقتصادية وحماية حقه في ثروته النفطية والغازية في مياهه الإقليمية،وسط النزاع مع إسرائي عبر إقرار اقتراح قانون المناطق البحرية، بما وضع الإطار القانوني للملف النفطي اللبناني في مقدمةً خطوات لاحقة تدخل لبنان فعلياً في نطاق الاستفادة من هذه الثروة، متسلّحاً بالدراسات التي تؤكد وجود الذهب الأسود بكميات وافرة، وكذلك الغاز، في مياهه الإقليمية.

ورسم لبنان خريطة طريق لكي يكون بلداً نفطيا في الرابع من أغسطس الماضي، في إنجاز تأخر عقوداً، في وقت تأكد تحريك الركود النفطي في اللجان النيابية المشتركة، التي أعلنت إنجاز القضية قبل نهاية العام الجاري، والتراخيص قبل أبريل المقبل.

 ولعل إقرار القانون البحري، ولو بتأخير سبع سنوات، شكّل إنجازاً للمجلس النيابي، أكثرية ومعارضة، كما لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي، حيث أنتجت الشراكة صورة لبنانية مسؤولة قلّ نظيرها في السنوات الأخيرة، خاصة في مواجهة الأطماع الإسرائيلية والتحديات الاقتصادية الداخلية، كون ملف الثروة النفطية والغازية يشكل رافداً بارزاً لتغذية خزينة الدولة المثقلة بالأعباء والديون.

ومنذ إقرار القانون البحري، توجهت الأنظار نحو الخطوات التالية، بدءاً بنشره من قبل رئيس الجمهورية ما جعله نافذاً، في انتظار إصدار المراسيم التطبيقية للقانون، والتي تحسم الإحداثيات التي يتحدّد بموجبها خط الحدود البحرية الاقتصادية ما بين لبنان وفلسطين المحتلة وما بين لبنان وقبرص وما بين لبنان وسوريا، على أن يُرسل الملف الى الأمم المتحدة.

 تحريك الركود

ورغم الانشغالات الداخلية بملفات أبعد من الحدود اللبنانية، فإن ملف الثروة الطبيعية فرض نفسه بقوة، خلال الأيام القليلة الماضية، ودفع برئيس مجلس النواب نبيه بري، المتمسّك بكون «موضوع النفط يشكّل رافعة للوضع الاقتصادي في لبنان»، الى تحريك الركود النفطي في اللجان النيابية المشتركة، والتي أعلنت إنجاز القضية قبل نهاية العام الجاري، ليبدأ في أول فصل العام المقبل تلزم الشركات لاستثمار الثروة النفطية، وتحديداً قبل بداية شهر أبريل 2012.

وإذا كان موضوع النفط اللبناني في البحر الأبيض المتوسط خطا خطوة مهمة على طريق تقنينه، عبر قرار تصحيح الحدود البحرية مع قبرص في عشرة أيام والبدء بترسيم الحدود البحرية مع سوريا، فقد ارتسمت خريطة طريق لبنانية جديدة في اتجاه مسارعة لبنان الى الاستفادة من ثروته النفطية والغازية البحرية ضمن الحدود الخالصة،علماً أن الإنجاز الذي كان تحقق في 4 أغسطس الماضي، مع إقرار المجلس النيابي لقانون المناطق البحرية، كان لا بدّ من استكماله بنحو 27 مرسوماً، 14 منها على الأقل قبل بدء مرحلة التنقيب. وبعد مرور نحو شهرين، لم تنجز الحكومة سوى مرسوم تحديد الإحداثيات المتعلّقة بالمنطقة البحرية الخالصة، ولهذا كان لا بدّ من حثها نيابياً على تنفيذ الخطوات التي يتطلبها استثمار الثروة النفطية، حتى لا يبقى القانون حبراً على ورق.

وشكّلت الجلسة التي عقدتها اللجان النيابية المشتركة، بداية الأسبوع الجاري، برئاسة بري وبحضور رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، مناسبة لتحديد المواعيد النهائية لاستثمار تلك الثروة، حيث انتهت الى التوافق على مجموعة من النقاط المهمة، وهي: استعجال بدء الاستفادة الفعلية لا النظرية من هذه الثروة المدفونة، التمسّك بكامل حدود المنطقة الخالصة وبالتالي تأكيد حق لبنان في التنقيب فيها كاملة، توجّه وزير الخارجية عدنان منصور إلى قبرص لإعادة التفاوض في شأن الاتفاقية المعقودة بين البلدين في العام 2007 وتصحيح الخطأ الفادح الذي يعتريها والذي تتسلّح به إسرائيل في محاولتها السطو على حقوق لبنان النفطية والغازية، إجراء مفاوضات مع سوريا في ما يخصّ الحدود الشمالية «بحراً»، التزام رئيس الحكومة إصدار المراسيم التطبيقية لقانون النفط قبل نهاية العام الحالي، التزام الحكومة تعيين هيئة إدارة قطاع النفط قبل نهاية السنة الحالية، إضافة الى التزامها بأن تكون كل التراخيص قد أعطيت لبدء أعمال التنقيب قبل نهاية شهر مارس 2012.

 إحياء المفاوضات

تقرّر بالإجماع انتداب وزير الخارجية عدنان منصور للسفر إلى قبرص، في خلال عشرة أيام، لإحياء التفاوض مع قبرص ثم سوريا، واعتبار المنطقة الاقتصادية الخالصة المقدّرة مساحتها 860 كيلومتراً غير متنازع عليها مع إسرائيل، وأن للبنان الحق في استخراج ثرواته منها.

ووفق المعلومات، فإن رئيس الجمهورية ميشال سليمان كان طلب من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون المساعدة في تصحيح الخطأ الذي حصل بحق لبنان بسبب الاتفاقية الإسرائيلية القبرصية التي قضمت 860 كيلومتراً مربعاً من منطقته الاقتصادية الخالصة، مع تشديده على ضرورة أن توجد الأمم المتحدة حلولاً للمنطقة المتنازع عليها عند الحدود الجنوبية للمنطقة الاقتصادية الخالصة مع إسرائيل.

 إطلاق التنقيب برّاً

بدوره، اتخذ مجلس الوزراء، في جلسة عقدها الأربعاء الماضي ، قراراً بالمباشرة في أعمال التنقيب عن النفط والغاز في البرّ اللبناني من خلال إجراء المسوحات الجيوفيزيائية، وبتأليف لجنة برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية وزراء الطاقة والتنمية الإدارية والمال والصحة والبيئة والأشغال العامة والعدل، بغية درس المنهجية والقواعد للأنشطة البترولية في المياه اللبنانية ودرس مشروع المرسوم المقترح لهيئة إدارة قطاع النفط.

الى ذلك، تجدر الإشارة الى أن لبنان، ومنذ إقرار المجلس النيابي اقتراح قانون المناطق البحرية في 4 أغسطس الماضي، قام بخطوات عدّة في هذا الشأن، وتتلخص بكون مجلس الوزراء أقرّ نقاط حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بلبنان من طرف واحد، بالرغم من أن قانون البحار ينصّ على وجوب توافق الأفرقاء على الحدود بينهما، إما بالتفاوض أو بأي وسيلة من وسائل الحلّ السلمي للنزاعات..

علماً أن حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، كما تمّ تحديدها، تتمثل بـ«قاع البحر وباطن أرضه خارج حدود الولاية الوطنية»، بحسب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الصادرة عام 1982، ما يعني أن لبنان بات قادراً على القيام بالأنشطة في هذه المنطقة من استكشاف واستغلال موارد المنطقة خاصته، وهي «الواقعة وراء البحر الإقليمي وملاصقة له» ولا تمتد المنطقة الى أكثر من 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يُقاس منها عرض البحر الإقليمي.. لكن تحديد الإحداثيات يعني الترسيم النهائي لحدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، وهي ستحدّد بموجب مراسيم، بعد إنجاز الملفّ بأكمله، كما أوضح وزير الخارجية والمغتربين عدنان منصور.

إسرائيل خارج سياق المفاوضات

ووفق الخبراء، ينبغي الاستعانة بمتخصّصين بقانون البحار وبخبراء ترسيم دوليّين معتمدين من قبل المحاكم الدولية لاستكمال الترسيم وتثبيت الإحداثيات والتأكد منها بإعداد ملفّ قانوني وتقنيّ صلب ينطلق منه لبنان في مفاوضاته مع الدول المعنيّة، باستثناء إسرائيل طبعاً، وكذلك مع المجتمع الدّولي للتوصل الى حلّ منصف يحفظ حقوق لبنان من دون التسبّب بنزاعات محتملة.

في المقابل، بدأت إسرائيل في تنقيبها المشترك مع قبرص، من حدود قبرص، كي تستثمر أي ردّ فعل لبنانية قد تقوم فيها أي جهة وخصوصاً «حزب الله»، لأن أي اعتداء على قبرص سيكون بمثابة فتح نزاع مع الاتحاد الأوروبي برمته كون قبرص هي دولة أوروبية. ورغم هذه الوقائع، يرى خبراء في الشؤون النفطيّة أن ما من مانع قانوني يحول دون استدراج لبنان لعروض التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة به، باستثناء المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل، وذلك بعد إقرار المراسيم التطبيقية لقانون استثمار الموارد البترولية. كما يشير هؤلاء الخبراء إلى أن في إمكان لبنان، في لحظة مراسلة الأمم المتحدة بالملف الجديد، الانتقال فوراً إلى الدخول في مناقصات «التلزيم» للتنقيب ضمن الخطوط التي تحدّدها الإحداثيات.

أما المناطق المتنازع عليها، فتُترك للبتّ فيها من خلال الأمم المتحدة، وذلك «لأن لا مجال لمقاضاة إسرائيل، بسبب عدم توقيعها قانون البحار»، وفق قول عضو كتلة المستقبل النائب عمار حوري لـ «البيان».

وعن تهديدات العدو الإسرائيلي، يقول حوري إن «القانون الدولي وقانون الأمم المتحدة لاقتسام الثروات البحرية واضح، ولكل دولة الحق في استكشاف ثرواتها الطبيعية واستثمارها داخل مياهها الإقليمية والمناطق الاقتصادية الخالصة العائدة اليها، والتي يضمنها القانون الدولي الصادر عام 1982».

وبحسب الخبير في القانون الدولي الدكتور حسن جوني، غالباً ما تتفق الدول في ما بينها، وعند اختلافها على حدودها تتوجّه الى محكمة العدل الدولية المنوطة بحل الخلافات بين الدول، وفق المادة 34 من نظام المحكمة.

وإذ يسأل: «كيف يذهب لبنان الى طلب التحكيم مع دولة لا يعترف بوجودها؟»، يلفت جوني الى «إشكالية كبرى» على هذا الصعيد، إضافة الى أن مجلس الأمن الدولي غير معني بترسيم الحدود بين الدول، ولم يسبق للأمم المتحدة أن رسمت حدوداً، وقد حصل ذلك لمرة واحدة في ما يتعلق بالحدود بين العراق والكويت، مما «شكّل سابقة خطيرة آنذاك».

ويؤكد جوني أن لبنان لا يستطيع الذهاب الى محكمة العدل، لكونه لا يعترف بإسرائيل. و«لذا، على الحكومة اللبنانية أن تطلب من مجلس الأمن الدولي ترسيم الحدود بينها وبين فلسطين، وذلك بالعودة الى اتفاق الهدنة، إذ إن حدودنا معروفة وعلى مجلس الأمن دعوة إسرائيل الى احترامها»، لافتاً الى أن «القضية حسّاسة وغير واضحة من اللحظة الأولى، والمطلوب من مجلس الأمن تشكيل لجنة تحقيق فورية في ملف التنقيب عن النفط».

 مفاوضة سوريا وقبرص

ومن الوجهة القانونية أيضاً، وبحسب جوني، في حال عدم التوصل الى تفاهم مع قبرص حول تصحيح اتفاق تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة الموقع بين لبنان وبينها، يفترض بمجلس النواب اللبناني نقض الاتفاق الموقع وغير المبرم تلافياً لأي تبعات قانونية لاحقة تضرّ بحقوق لبنان، خصوصاً أن الاتفاق بين قبرص وإسرائيل وضع لبنان أمام أمر واقع قانوني لا يمكن تجاهله.

ووفق المعلومات، فإن الإعلان مجدداً عن الإحداثيات سيخلق مشكلة مع سوريا، مماثلة للتي حصلت مع قبرص،. وقد تدفعها للقيام بخطوة لا تصبّ في مصلحة لبنان لحماية حقوقها، والحل هو في التفاوض مع السوريين حول المصالح المشتركة، كما أن التفاوض هو الحل الوحيد مع قبرص، ومع تركيا أيضا.