تمر هذه الأيام الذكرى العاشرة لحرب أفغانستان، ولا شيء في الأفق يوحي بأن هذا البلد تعافى من جراحه وبدأ يسلك طريقه نحو التنمية والاستقرار.

بدأت الإدارة الأميركية حربها على أفغانستان من أجل القضاء على حركة «طالبان» وتنظيم «القاعدة». إلا أن هذه المدة التي تجاوزت أمد حربها في فيتنام، لم تكن كافية للقضاء على طالبان التي تعاظمت قوتها وامتد نفوذها إلى دول مجاورة. أما تنظيم «القاعدة» فلم تستطع القوات الأميركية أن تنهي خطره. ماعدا قتل زعيمها اسامة بن لادن خلال عملية خاصة داخل باكستان.

القوات الأميركية لم تحقق أياً من الأهداف التي أراد هؤلاء تحقيقها، بل إن الأمر يزداد سوءًا يومًا بعد يوم. كانت تلك الأهداف هي تحقيق الأمن، القضاء على قوات طالبان والقاعدة، إقامة جيش أفغاني قادر على ضبط الأمور في البلاد، إقامة انتخابات ديمقراطية نزيهة وحرة، ثم الانسحاب. وكان مقدرًا لذلك أن يتم في عام على الأكثر، ولكن مرت الأعوام دون أن يتحقق شيء من ذلك، بل إن الاضطراب يزداد، وطالبان تقوى يومًا بعد يوم، وجنود حلف شمال الأطلسي (الناتو) يتساقطون قتلى وجرحى مما يضع حكومات الدول المشاركة في تلك القوات في مأزق أمام شعوبها، وتزداد المطالبات بسحب تلك القوات يوماً بعد يوم.

مأزق أميركي أطلسي

كان عدد قوات «الناتو» في البداية محدودا، وكان مقدرا لها أن تقوم بدور في الإعمار وليس القتال ولكنها تورطت شيئًا فشيئًا في القتال، ولم تعد قادرة على حسم المعركة لصالحها، ولا الانسحاب الآمن من هناك، لأن الانسحاب أصبح يعني شهادة وفاة لحلف «الناتو»، وأكثر من هذا فإن الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي كان السبب الرئيس وراء الاتيان به إلى البيت الأبيض هو إنقاذ الغرب وأميركا من هزيمة استراتيجية في أفغانستان. واعتبر أوباما أن المعركة الرئيسية مع الإرهاب هي في أفغانستان، ومن ثم فإن الفشل الأميركي أو الانسحاب يعني فشل أوباما شخصيًا وفشل المشروع الأميركي الجديد برمته، أي هزيمة أميركا بجناحيها اللذين يمثلهما كل من إدارة الرئيس السابق جورج بوش وإدارة أوباما الحالية.

كما أن عدد قوات حلف الناتو شهدت تزايدًا كبيرًا في سنوات الحرب، فكانت في نوفمبر 2006 حوالي 33 ألفًا من الجنود، ووصلت الآن إلى 62 ألف جندي، وزيادة الجنود تعني أن هناك مزيدًا من المصاعب وأن الأهداف لم تتحقق، بل إن هناك طلبات متزايدة من قادة «الناتو» لدول الأعضاء بزيادة عدد جنودها هناك لتصل إلى ضعف القوات الموجودة حاليًا.

تغيير مصطلح الحرب

لقد كان «إنهاء العقلية التي تقود الى الحرب» من أهم وعود باراك أوباما خلال حملته الانتخابية. لكن تكتيكاته الحربية بعد توليه مقاليد الحكم أثبتت فقط أنه لا يزال أسير استراتيجية لا تضعها الا عقلية كهذه. صحيح أنه لم يبدأ الحرب على أفغانستان, غير أنه أيدها عندما كان مرشحا للرئاسة, وصعدها ووسعها الى باكستان المجاورة بعد أن أصبح رئيسا. وكان انتقد سلفه بوش لأنه لم يزد عديد القوات زيادة تكفي لكسب الحرب, وبعد أن أصبح رئيسا زاد هو عديدها بحوالي 40 ألفا، يريد الآن سحبهم خلال العامين المقبلين دون ان يحقق النصر الذي كان يأمل فيه.

إن عجز قوة القوات الاميركية عن تحقيق أي حسم عسكري في المدى المنظور في حربها على طالبان, وتكبدها خسائر مادية وفي الأرواح تفوق كثيرا ما تكبدته في المرحلة الأولى, قاد إدارة أوباما الآن الى الانتقال لمرحلة ثانية من الحرب تنقلها من حرب على «التمرد» الى «الحرب على الإرهاب» بهدف خفض التكلفة المالية وتقليص الخسائر في الأرواح, باعتبار قصر الدور الأميركي في الحرب على طالبان على «تكتيكات محاربة الارهاب» يمثل «استراتيجة خروج»مناسبة لمعظم القوات الاميركية، تمكن أوباما من القول انه «بعد عقد صعب من الزمن, فان أمد الحرب ينحسر الآن.. لتصل هذه الحرب الطويلة الى نهاية مسؤولة».

الحرب تتجاوز مدة فيتنام

في السابع من يونيو، تجاوزت أفغانستان فيتنام كأطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة بعد أن تجاوز المأزق الاميركي فيها المأزق الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان. وتحت ضغط الأزمة الاقتصادية, ومعارضة أكثر من (70 في المئة) من الاميركيين الحرب على أفغانستان, رأى أوباما أن «الوقت حان للتركيز على بناء الدولة هنا في الوطن»كما قال في خطاب الاعلان عن بدء سحب القوات الأميركية من أفغانستان, لكن إنفاق أكثر من تريليون دولار اميركي في الحرب على العراق وأفغانستان هو استثمار أضخم من أن يسمح لأي إدارة اميركية بالتخلي عن الأهداف الإستراتيجية للحربين على البلدين, لذا كان من المتوقع أن تغير واشنطن تكتيكات حربها لا استراتيجيتها, إلا إذا أرغمت على ذلك بهزيمة ساحقة كهزيمتها في فيتنام.

التضحية بالجنرالات

وجاءت إقالة الجنرال ستانلى ماكريستال من موقعه كقائد للقوات الأميركية في أفغانستان،، لتعكس حالة من ارتباك داخل الإدارة الأميركية، في ظل تصاعد الهجمات التي تشنها حركة «طالبان» ، ولم تكن التصريحات التي أطلقها ماكريستال وحدها هي السبب المباشر وراء إقالته ، حسب ادعاء البيت الأبيض، ولكن نتيجة الإخفاق الأميركي الواضح في أفغانستان. وأيا كانت الانتقادات العنيفة التي وجهها أوباما للقائد السابق في أفغانستان بسبب جرأة تصريحاته حول فشل الخطة الأمنية ، فإنها تعكس درجة هائلة من الانقسام الذي يثيره استمرار غزو أفغانستان في داخل الإدارة الأميركية، فضلا عن تأثير مثل هذه الاستقالة على مجريات الحرب.

ولاشك أن الانتقادات التي وجهها ماكريستال لأوباما تعكس مؤشرا واضحا للنظرة التي ينظر بها كثير من العسكريين إلى الرئيس الأمريكي «قليل الخبرة»، على حد اتهام الجمهوريين، والذين يزيدون على ذلك بأنه على الرغم من قيام أوباما بزيادة الميزانية العسكرية بشكل قياسي، إلا أن العسكريين في الولايات المتحدة يفضلون التعامل مع الجمهوريين وليس مع رئيس مصنف ضمن «حمائم» الديمقراطيين.

وفي المقابل ، جاءت تصريحات ماكريستال لتعكس طبيعة الأزمة التي عانتها الولايات المتحدة في أفغانستان، حيث استنكر تردد أوباما لفترة طويلة قبل اتخاذه قراراً بزيادة القوات الأميركية في كابول . معتبرا أن تلك الأيام كانت مضنية، وأنه لم يجتمع أبدا بأوباما وخرج من مقابلته شاعرا بالارتياح.

ولاشك أن تلك التصريحات تعكس تصدير الأزمة الأفغانية إلى داخل الولايات المتحدة، حيث فرضت الخسائر المتصاعدة في صفوف القوات الأميركية هناك ضغطا على الجبهة الداخلية، لاسيما بعد قرار زيادة القوات الأجنبية. ولاشك أيضا أن التغيير في القيادة سيكون له تأثيراته على الجبهة العسكرية في أفغانستان، حيث كان ماكريستال يعتنق إستراتيجية عسكرية تقوم على «التصفية التدريجية» لعناصر «طالبان»، من خلال استهداف قادتهم، وهو ما سيختلف في ظل وجود خلفه الجديد الجنرال ديفيد بترايوس، الذي يعتمد أسلوبا يقوم على «تطهير» المناطق بشكل كامل ، على نحو ما كان يفعله إبان عمله في العراق، غير أن الأسلوب الذي أثبت نجاحا في العراق، ذي الطبيعة المنبسطة، قد لا يتميز بنفس النجاح إذا تم تطبيقه على أفغانستان بطبيعتها الوعرة والجبلية، ما يعكس أنه قد ينتج خسائر بشرية مرتفعة بين صفوف القوات الأميركية في أفغانستان وهو ما لا يمكن لإدارة أوباما قبوله.

التدريب بدلا من الانسحاب

القوات الأميركية وقوات «الناتو» لن تكون رأس الحربة في مقاتلة الإرهاب و«القاعدة» و«طالبان» من الآن فصاعداً، بل ستكون عاملاً مؤازراً في مجالات التدريب والإسناد الناري الجوي والدعم الاقتصادي لفترة زمنية انتقالية محددة، ويُترك أمر القتال على الأرض لقوات الدول والحكومات المعنيَّة وشرطتها مثل أفغانستان وباكستان، وهذا شأنهما وستتحملان كافة المسؤوليات والتبعات والخسائر البشرية والمادية بعد اليوم. ويعني ذلك توجيه رسالة أميركية رسمية واضحة الخطوط للحكومتين (الأفغانية والباكستانية) تقول: إما أن تُثبِتُوا جدارتكم في هذا المجال، أو لا مكان لكم في الحكم، والبديل بطبيعة الحال عودة طالبان إلى الحكم من جديد.

وبذلك يكون أوباما قلب إستراتيجية الإدارة الأميركية السابقة في الحرب على الإرهاب وكذلك تغيير الأنظمة السياسية بالقوة العسكرية الأميركية - رأساً على عقب، على مدى المستقبل المنظور على الأقل. ورمى بالمشكلة برمَّتها على عاتق أصحابها في أفغانستان وباكستان من جديد، ممهداً الطريق لانسحابٍ منظم من البلد الذي انهكته الحرب. احتجاج مناهض في كابول

سار مئات الافغان في شوارع العاصمة كابول أمس عشية الذكرى العاشرة للحرب التي قادتها

الولايات المتحدة في أفغانستان ووصفوا الاميركيين بأنهم قوة احتلال وطالبوا بالانسحاب الفوري للقوات الاجنبية.

وتجمع نحو 300 من الرجال والنساء في الساعات الاولى من الصباح حاملين لافتات ورايات تتهم الولايات المتحدة بارتكاب «مذبحة» بحق المدنيين كما اتهموا الرئيس الافغاني حامد كرزاي بالعمالة والرضوخ لواشنطن.

وكتب على لافتة رفعتها امرأتان محجبتان :«احتلال - انتهاكات وحشية» وكتب على أخرى «لا للاحتلال» كما أحرق العلم الاميركي. ورسمت على لافتة اخرى صورة كرزاي كدمية على شكل قفاز توقع وثيقة عنوانها «تعهدات مقدمة للولايات المتحدة». واستمر الاحتجاج في وسط كابول نحو ثلاث ساعات ثم انفض سلميا. وقال حفيظ الله راسخ وهو احد منظمي الاحتجاج :«عشر سنوات منذ الغزو وكل ما شاهدناه هو المعاناة وعدم الاستقرار والفقر في بلادنا».

أثرياء كابول الجدد خائفون

جمع جيل جديد من الشبان الأفغان يعرفون من سياراتهم الفخمة وملابسهم العصرية جدا، ثروات خلال عشر سنوات من الاحتلال الغربي لكنهم يشعرون بالقلق حيال الغموض الذي يلف مستقبل بلدهم.

ويقول سيد حبيب (34 عاما) الذي يملك محلا لبيع الملابس الجاهزة في احد المراكز التجارية الفخمة في كابول ان «الأعمال مزدهرة وكسبت مبالغ كبيرة من الاموال منذ رحيل طالبان».

وكغيره من الكثير من سكان كابول، استفاد هذا الشاب من القدرة الشرائية الجديدة لآلاف الأفغان الذين يعملون بشكل مباشر مع حلف شمال الأطلسي أو منظمات دولية، أو يعقدون صفقات معها. إلا ان هؤلاء المتعهدين يخشون انسحاب 140 ألف جندي في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والذي سيؤدي حتما برأيهم وبرأي خبراء كثر الى حرب أهلية جديدة أو الى عودة طالبان الى السلطة. وهم يرون ان هذا الانسحاب الذي بدأ في يوليو وسينتهي في نهاية 2014، سيؤدي في كل الاحوال الى توقف اعمالهم. ويقول احمد ليث الذي يدير شركة تعمل مع الجيوش الأجنبية: «لست الوحيد الذي يعتقد ان الفورة التي ادت الى هذا الاقتصاد ستنهار فور توقف المساعدة الاجنبية ورحيل الجنود الاجانب، بل كل المستثمرين يتوقعون ذلك».

ويملك احمد منزلين في كابول ويرتدي ازياء غربية ويقود سيارة رباعية الدفع من طراز تويوتا لاند كروزر حديثة، السيارة المفضلة للاجانب والاغنياء الافغان. ويقول :«عدت الى افغانستان عندما انهار نظام طالبان» في نهاية 2001. واضاف ان «شركتنا فازت بعقد لتأمين الوقود للقوات الدولية. ثم اعدت استثمار ارباحي في بناء مصنعين ووظفت 150 شخصا». ويضيف انه ينتج مواد بناء «تستخدم في تشييد آلاف المنازل في كابول»، لكن شحنات الوقود لقوات حلف شمال الاطلسي لا تكف عن التراجع.

وقال نائب رئيس غرفة التجارة والصناعة الافغانية خان جام الوكوزاي ان الاعلان عن انسحاب القوات الاجنبية دفع عددا من المستثمرين الى الرحيل. وتابع :«نحاول طمأنتهم بشأن امن استثماراتهم لكنهم يرون باعينهم ان السفارة الاميركية في كابول نفسها ليست آمنة». وتحصل افغانستان على مساعدات اجنبية تبلغ 15 مليار دولار سنويا تخصص لإعادة إعمار البلاد وتأهيل قوات الأمن (الجيش والشرطة). لكن هذه الاموال ستتراجع تدريجيا مع انسحاب جنود القوات الدولية من افغانستان.