عبر تركيزها على ملاحقة الارهابيين والقضاء عليهم، عمدت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية «سي آي ايه» إلى التسلح أو حتى التداخل مع المهمات الموكلة إلى الجيش، لكنها بذلك تجازف بإغفال اساس وجودها المتمثل بمهمات التجسس التقليدية.
والعملية التي نفذت في مطلع مايو الماضي لتصفية زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن تعتبر دليلا على ذلك، حيث قامت وحدة من القوات الخاصة في البحرية بالهجوم. لكن العملية تحديدا تمت تحت اشراف وكالة الاستخبارات التي تقوم مهمتها اساسا على جمع وتحليل المعلومات لتقدمها إلى الحكومة الاميركية.
ويقول الاستاذ في جامعة كارولاينا الشمالية ريتشارد كون ان «مكتب الخدمات الاستراتيجية الذي كان قائما خلال الحرب العالمية الثانية وحلت محله سي آي ايه كانت خدماته تتركز على العمليات شبه العسكرية ومحاولة بث الفوضى خلف خطوط العدو. إن وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية لم تتخل عن هذا النشاط منذ ذلك الحين».
ويضيف ان «المخاطر بالنسبة لواشنطن هي الا تتوقع حصول التطورات الحاسمة في العالم». لكن عمل هذا الجهاز السري تغير منذ هجمات 11 سبتمبر، حيث اصبحت وكالة الاستخبارات المركزية تقوم بملاحقة ارهابيين في العالم واعتقالهم أو حتى تصفيتهم. ومن خلال تركيزها على الارهابيين واغفالها الشعوب بمجملها، لم تتوقع الولايات المتحدة ظهور «الربيع العربي».
من جهته، يقول مسؤول سابق في الاستخبارات الاميركية ان نشاط وكالة الاستخبارات المركزية اصبح «عملانيا إلى حد كبير» منذ بدء الحرب على الارهاب. واوضح: «بسبب الطبيعة الخاصة لهذه الحرب، أصبح العمل السري يأخذ حيزا كبيرا من طاقة الوكالة». ورأى انه «في مجال مكافحة تنظيم القاعدة، فإن تحول دور سي آي ايه شكل نجاحا»، قائلا: «نقتل الناس بسرعة أكبر من قدرتهم على استبدالهم».
تعاون مؤسساتي
من جهتها، قامت قيادة العمليات الخاصة في «البنتاغون» بارساء تعاون مؤسساتي مع عملاء «سي آي ايه». لكن ذلك أثار مشاكل قانونية. وخلافا لوكالة الاستخبارات المركزية، التي يمكن ان تنكر الحكومة عملياتها السرية، فان الانشطة العسكرية للقوات الخاصة تخضع لاطار تشريعي الزامي اكثر.
ويرى وزير الدفاع الاميركي ليون بانيتا ان هذا التداخل بين القوات الخاصة ووكالة الاستخبارات المركزية الاميركية يعطي الرئيس باراك اوباما «بعض المرونة» في استخدام القوة.
وما يثبت هذا التداخل، ان وزير الدفاع الحالي كان سابقا مديرا لوكالة. وقد حل محله على رأس «سي اي ايه» ديفيد بترايوس الجنرال الذي تقاعد لتوه.
من جهته، خلف بانيتا في «البنتاغون» الوزير السابق روبرت غيتس الذي امضى 27 عاما في وكالة الاستخبارات المركزية. لكن المخاطر وراء ذلك هو ان تغفل «سي آي ايه» سبب وجودها وهو العمل الاستخباراتي.
وقال غيتس قبل مغادرته «البنتاغون» في نهاية يونيو: «رغم اننا شهدنا على المستوى التكتيكي والعملاني تقدما فعليا وابتكارا، إلا انني ابقى قلقا إزاء نوعية استخباراتنا على المستويين السياسي والاستراتيجي».
وتحدث المسؤول السابق في الاستخبارات ايضا عن الحاجة إلى «التنبه لخطر الانهماك بعمل الاستخبارات وعدم إعطاء ما يكفي من الانتباه للتحليل والتجسس الاعتياديين».
وضع باكستان
في باكستان، الطائرات بدون طيار تديرها «سي اي ايه» ولو انه يتم توجيهها من الولايات المتحدة من قبل عسكريين في سلاح الجو. وفي افغانستان، جندت الوكالة ثلاثة آلاف افغاني لملاحقة المتمردين من حركة «طالبان».
وقال مدير الوكالة بين 2006 و2009 مايكل هايدن ان «وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية لم تكن يوما اقرب مما هي عليه اليوم إلى سلفها مكتب الخدمات الاستراتيجية».
وكتب الباحث رافاييل راموس في مقال لـ«المركز الاوروبي للابحاث الاستراتيجية» ان «نقاط التباين الثقافية بين البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية «اختفت، لا سيما بفضل محللي سي آي ايه الكثيرين في العراق الذين شجعوا انبثاق ثقافة مشتركة».