تترقب مصر والعالم اليوم محاكمة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وهي أول محاكمة من نوعها في تاريخ مصر القديم أو الحديث يمثل فيها حاكم مصري وهو على قيد الحياة داخل قفص اتهام وأمام محكمة جنائية؛ ليحاكم على جرائم منسوبة له ارتكابها خلال فترة توليه لحكم البلاد. وصرح خبراء في فقه القانون والسياسة للـ «البيان» أن المحاكمة تجمع بين المدلولات السياسية والشق الجنائي، وأن الإعدام سيكون العقوبة القصوى للاتهامات.

ويواجه مبارك اتهامات تتعلق بإصدار الأوامر بإطلاق النار لقتل المتظاهرين خلال أحداث ثورة 25 يناير التي أطاحت بالنظام الحاكم في مصر، بالإضافة إلى تهم تتعلق بالفساد المالي والتربح واستغلال النفوذ، وهي التهم المنسوبة أيضا إلى نجلي مبارك علاء وجمال مبارك، بالإضافة إلى رجل الأعمال الهارب حسين سالم، الذي يعتقد على نطاق واسع أنه يعرف كل تفاصيل ثروة الرئيس المصري السابق داخل وخارج مصر، خاصة وأن سالم هو صديق مبارك منذ عقود، كما يعتقد أنه شريكه في شركة مقرها فرنسا كانت مسؤولة عن توريد السلاح للجيش المصري.

الفقيه القانوني محمد نور فرحات قال إن إجراءات تمت ضمن الدعوى الجنائية «وحتى تكون هذه المحاكمة قانونية فيجب أن تتوافر لها ضمانات تكفل عدم تأثرها بالرأي العام ولا ضغوط الثوار، وأول هذه الضمانات أن تتم محاكمة الرئيس السابق أمام محكمة جنايات القاهرة كأي مواطن مصري عادي»، كما اعتبر أن أهم ضمانات المحاكمة العادلة «علانية جلساتها»، حيث ستضمن العلانية شفافية في الإجراءات القانونية سواء من جانب الدفاع أو الادعاء.

أما عما أثير أخيرا عن مكان محاكمته سواء في شرم الشيخ، حيث المستشفى التي يعالج فيه أو أكاديمية الشرطة أو حتى أرض المعارض في العاصمة المصرية القاهرة، فيعتبر فرحات أن هذه الإجراءات تنظيمية تخص المحكمة وتم اللجوء إليها بعد ضم قضية وزير الداخلية السابق حبيب العادلي إلى قضية مبارك، وهي مسألة تنظيمية لا تؤثر على حسن سير العدالة، على حد قوله.

إشكالية قانونية

أما الكاتب الصحافي صلاح عيسى فيقول إن محاكمة الرئيس السابق «ستثير إشكالية قانونية، وهي أن محاكمة الرئيس وفقا للدستور المصري الذي تم وقف العمل به كان ينص على أن محاكمة الرئيس يجب أن تكون بناء على قرار اتهام يصدر من مجلس الشعب بأغلبية ثلثي المجلس، وأن تكون محاكمته في محكمة خاصة».

وأضاف عيسى أنه «بالرغم من تجميد العمل بالدستور، إلا أنه لم يصدر دستورًا بديلاً يحل محل الدستور الذي تم تعليق العمل به، وحتى على اعتبار أن مبارك هو رئيس سابق فسوف يثير هذا أيضا نقاطًا خلافية من النواحي القانونية؛ لأن قرار تنحي مبارك لم ينشر بجريدة الوقائع الرسمية؛ مما قد يفتح الباب أمام القانونيين لاعتبار مبارك رئيسًا فعليًا للبلاد وليس رئيسًا سابقًا، وستكون محكمة الجنايات في هذه الحالة غير مختصة بمحاكمته».

محاكمة سياسية

إلا أن عضو المجلس الرئاسي لحزب التجمع حسين عبدالرازق يقول إن «محاكمة مبارك لها مدلول سياسي أكثر منه قانوني، فهي ليست مجرد محاكمة لشخص الرئيس السابق فقط بل هي محاكمة لحقبة سوداء في تاريخ مصر استمرت لمدة 30 عاماً وشهدت مصر خلالها تدهورًا في كل المجالات وشيوع الفساد وانهيار القيم الأخلاقية».

وأكد عبدالرازق أن كثيرًا من المصريين يعتبرون أن المحاكمة سوف تكشف عن عدد من الحقائق السياسية والاقتصادية ودور الإعلام والشخصيات العامة -فيما يصفها عبدالرازق بالمنظومة الفاسدة أكثر من اهتمامهم بالحكم الذي سيصدر عنها أو حتى الانتقام من شخص الرئيس السابق، ويؤكد أن مجرد رؤية رئيس سابق في القفص يعد نجاحًا للثورة، معتبراً أن محاكمة مبارك تعد سطرًا في طريق إسقاط النظام السابق وطي صفحة الماضي لبدء صفحة جديدة وبناء نظام جديد في مصر.

أسلوب الدفاع

أما المحلل السياسي عمار علي حسن فاعتبر أن محاكمة مبارك مستحقة وخاصة فيما يتعلق بقضية قتل المتظاهرين خلال أحداث الثورة، وهو الاتهام الذي جاء بناء على شهادة نائبه ومدير المخابرات المصري السابق عمر سليمان وبعض جنرالات وزارة الداخلية المصرية الذين أقروا بأن مبارك هو الذي أعطى أوامر مباشرة بإطلاق الرصاص على المتظاهرين.

إلا أن أكثر ما يثير قلق حسن في سير هذه المحاكمة، فهو عدم وجود أدلة كافية لإدانة الرئيس المصري السابق؛ مما قد يتسبب في صدور حكم مخفف أو الهروب من العدالة، مشيرا إلى أن هناك قضايا فساد في ساحات المحاكم المصرية لم تبذل فيها جهات التحقيق جهدًا كافيًا لجمع الأدلة وضاعت فيها العدالة لهذا السبب، كما عبر حسن، عن مخاوفه من أن يتعرض مبارك لمحاولة اعتداء قد تؤدي إلى تعاطف الرأي العام معه وخاصة أن المصريين شعب عاطفي بطبيعته وسريع التأثر.

وتوقع حسن أن يلعب دفاع الرئيس المصري السابق على وتر أن مبارك شيخ طاعن في السن خاصة إذا حضر مبارك على سرير أو كرسي متحرك، وهو ما يتطلب من المدعين بالحق المدني من أسر الشهداء أن يكون لديهم القدرة على استخدام خطاب عاطفي بدورهم لعرض الجرائم التي ارتكبها مبارك وأعوانه طوال أكثر من 30 عاماً، وما ارتكب من جرائم قتل في حق الشباب من ثوار مصر الذين لقوا مصرعهم برصاص أجهزة أمن نظام مبارك.