تحولات كبيرة ينتظر ان يشهدها اقتصاد جمهورية السودان في المرحلة الحالية ما بعد انفصال جنوب السودان واعلان استقلاله. فخروج نصيب حكومة السودان من عائدات بترول الجنوب والتي تساوي حالياً حوالي 80 في المئة من كل عائدات البترول سيتسبب في كثير من المشاكل الاقتصادية لشمال السودان لن تستطيع حينها من مقابلة تعهداتها الداخلية في اتفاقيات السلام تجاه تعمير وتأهيل وتنمية مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، ما سيجرها الى مشكلات ونزاعات جديدة.
ويصف محافظ البنك المركزي السابق صابر محمد حسن هذه التحولات بـ«صدمة اقتصادية» التي يمكن ان تفوق في تأثيراتها حجم الأزمة المالية العالمية. وتتمثل في انخفاض عائدات النفط من العملة الأجنبية ومؤشرات أخرى يصفها حسن بـ«الخطيرة» وفقاً لدراسات أشارت إلى انخفاض بنسبة 20في المئة من إجمالي الناتج القومي، إضافةً إلى تأثر العائدات الحكومية وانخفاض مُفاجئ يتوقع ان يحدث في العملات الأجنبية.
مهب الريح
وبخروج نصيب حكومة السودان من عائدات بترول الجنوب، سيتسبب الأمر في كثير من المشاكل الاقتصادية لشمال السودان لن تستطيع حينها مقابلة تعهداتها الداخلية في اتفاقيات السلام تجاه تعمير وتأهيل وتنمية مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان مما يجرها الى مشكلات واحتقانات سياسية ونزاعات مكشوفة ولا تتمكن الدولة من الوفاء بمستحقاتها تجاه الديون الخارجية، مما يشكل عليها بعض الضغوط وربما يحرمها من أية قروض جديدة.
ويؤكد صابر أن هناك مشاكل اقتصادية مرحلة مع السودان بعد انفصال الجنوب بدءاً من الدين الخارجي . كذلك الحصار الأميركي المفروض على السودان حال دون حصوله على الإعانة من المؤسسات المالية، وأوضح أن هذا الوضع جعل النمو الاقتصادي الذي شهده السودان متمركزاً في منطقة محددة، ولم يعم أنحاء البلاد كافة مما جعل الاقتصاد مركزاً على النفط وتجاهل بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى. ويذهب الاقتصادي حسن ساتي الذي عمل بوزارة المالية لأكثر من عشر سنوات أن «السودان يواجه أزمة اقتصادية خطيرة للغاية ربما الأطول في سنوات. وقد يحرم انفصال الجنوب من الوصول الى الجزء الاكبر من الموارد النفطية للسودان» اذ يأتي نحو 75 في المئة من انتاج السودان الذي يبلغ 500 ألف برميل يومياً من النفط من آبار تقع في الجنوب.
قسمة البترول
ويرى المحلل الاقتصادي محمد الناير ان اكبر تحول في الاقتصاد السوداني هو قسمة البترول التي ستختلف عما كانت عليه في نيفاشا خاصة وان السودان «بشكله السابق» قبل التاسع من يوليو كان ينتج «470ألف برميل يوميا»، ما ينتج في الشمال حوالي 27 في المئة فقط، أي حوالي 115 الى 120 ألف برميل في اليوم. وما ينتج في الجنوب حوالي 73 في المئة حوالي 340 الى 350 ألف برميل في اليوم ، وبالتالي ما يوجد في حقول منتجة في الشمال يكفي للاستهلاك المحلي الذي يقدر بحوالي 100 ألف برميل في اليوم ويكفي لتشغيل مصفاة الخرطوم بطاقتها القصوى.
النقد الأجنبي
ويرى الناير ان هناك تحديات أخرى تتصل بالنقد الأجنبي واحتياطي السودان منه. وقال إنه إذا ما كان القائمون على أمر الاقتصاد في السودان والبنك المركزي تحديداً اتخذوا من الاحتياطات ووضعوا الاحتياطي المقدر من العملات الصعبة مستفيدين من أسعار النفط خلال السنوات الماضية وإذا ما كان هناك احتياطي مقدر بدا استخدامه في المرحلة القادمة، سيكون هناك استقرار في سعر الصرف. ونظراً لأن معظم النفط السوداني يكرر وينقل عبر الشمال يتوقع المحللون أن يبرم الشمال والجنوب اتفاقا للتعاون النفطي من شأنه أن يخفف من وقع الضربة على الخرطوم خلال فترة انتقالية. ويقول الناير ان هناك اعتمادا كبيرا .
فيما يتم التوصل إليه بين حكومة السودان وحكومة جنوب السودان في المرحلة المقبلة حول قسمة النفط باستخدام البنى التحتية الخاصة بالنفط الموجودة في شمال السودان خط الأنابيب الممتد من آبار الإنتاج للبترول الى ميناء الصادر في ميناء بشائر بولاية البحر الأحمر شرق السودان، وكذلك استخدام المصافي لتكرير بترول خاص للجنوب للاستخدام المحلي واستخدام رسوم الميناء.
تجارب فاشلة
وبحسب الخبير الاقتصادي محمد ابراهيم كبج، فإن السودان سيتأثر بالتأكيد سلباً بفقدان النفط الذي كان يدخل ما يقارب الـ11 مليار دولار صادرات نفطية الى السودان. واستشهد بكل القطاعات الزراعية والصناعية خلال فترة الـ20 عاماً، وكيف أنها تدهورت تماماً ولم تعط العناية الكافية من اجل التطور. وقال :«كان الأجدى من القائمين على الأمر ان يوظفوا عائدات النفط في هذه القطاعات الحيوية بدلًا من الصرف على أشياء غير ضرورية».
ويضيف ان تجربة حكومات الشمال عموماً في كل عهودها فاشلة اقتصادياً ولم تنجح. وذكر انه بانفصال الجنوب يتبقى من الإيرادات الحكومية بالنقد الأجنبي والعملة المحلية يتبقى لنا فقط حوالي 120 ألف برميل نفط تكفي البلاد ذاتياً وتعمل على تصدير منتجات نفطية أخرى. ويقدر محللون أن حجم النقد الأجنبي الذي يقع تحت تصرف الخرطوم قد ينخفض في نهاية المطاف بين عشرة و13 في المئة.
