مرّت أميركا خلال تاريخها، بظروف وتحديات داخلية عاتية. سياسية، كالحرب الأهلية. ومالية اقتصادية، كالكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي. وفي كل مرة كانت آلياتّ نظامها المتماسك وليونة لعبتها الديمقراطية، إضافة لمواردها وطاقاتها الهائلة؛ تتكفل بتجاوزها للمحنة. الآن تمر بأزمة مالية - سياسية متفاقمة غير مسبوقة، وتبدو مصابة بالشلل إزاءها. ليس فقط لأن أرقام المديونية العامة فلكية. بل أيضاً لأن العملية السياسية مصابة شرايينها بالانسداد، بحيث أدّت إلى تعطيل القرار المطلوب لتبقي الوضع أسير دوامة؛ لا تهدّد الاقتصاد الأميركي فحسب، بل مجمل الاقتصاد العالمي وأوضاعه المالية التي ما زالت تعيش بقايا أزمة 2008.

صحيح أن الديون الأميركية العامة باتت توازي مجموع الإنتاج القومي السنوي البالغ أكثر من 14 تريليون دولار. وهو خط أحمر لا يجوز بلوغه، حسب الأعراف الاقتصادية والمالية. لكن سبق وتجاوزت هذه النسبة نحو 120 في المئة من حجم الإنتاج مع بداية الحرب العالمية الثانية؛ وتمّ التغلّب على المشكلة يومئذ عبر القرار الذي تخطى الحسابات السياسية والايديولوجية.

اليوم، مثل هذا الفعل مفقود لأن السوبر محافظين يمسكون بعنق القرار، والرئيس أوباما نأى عن المواجهة ودخل معهم بمساومة، هو يعطي فيها من دون أن يحصل على أي تنازل من جانبهم.

في الثاني من أغسطس المقبل، تنتهي صلاحية الحكومة الأميركية لتقترض ما تحتاجه من مال، لتسيير عجلة الدولة والوفاء بالتزاماتها. تحتاج حتى عام 2013، إلى أكثر من تريليوني دولار.

الموافقة، حسب الدستور وإن كان هناك خلاف على تفسير النص في هذا الخصوص، يعطيها الكونغرس بمجلسيه، الشيوخ والنواب. الأول بأكثريته الديمقراطية، مضمونة موافقته. العقبة في الثاني، الذي يتحكم عتاة اليمين، وبالتحديد حزب الشاي بقراره. يتذرع هذا الفريق بالأرقام وضرورة خفض الإنفاق للسيطرة على العجز المنفلت من كل عقال، كشرط للموافقة على رفع سقف المديونية.

في الظاهر، الذريعة قابلة للتسويق. لكن المقصود من ورائها اثنان: عمل أي شيء ممكن لمنع تجديد انتخاب أوباما ولو اقتضى الأمر تخريب الوضع الاقتصادي من خلال رفض الموافقة على الاستدانة وإجبار الإدارة على الإعلان عن عجزها عن تسديد ديونها ونفقاتها الحكومية العادية؛ مع كل ما يترتب على ذلك من تداعيات مالية محلية وعالمية. خاصة وأن ذلك يتزامن مع وضع أوروبي تشارف بعض أوضاعه على الإفلاس، مثل اليونان المكسورة وإيطاليا والبرتغال المهددتين؛ وما قد يجرّ إليه ذلك من ذيول بحكم التداخلات والتسليفات الأوروبية الأميركية.

اليمين الأميركي يركب رأسه. يمسك بورقة الاقتصاد كجسر عبور إلى البيت الأبيض. شعاره: «استرداد أميركا»، لكن «أميركته» هي تلك المتخففة من الإنفاق الاجتماعي والضوابط المالية، مع الانفلات في الإنفاق العسكري وخفض الضرائب على الشركات ورؤوس الأموال الكبيرة.

الوضع الأميركي في سباق مع الوقت. أمامه أسبوعان لإحباط أزمة مالية قد تكون لها آثار مدمرة، وفق الغالبية الكاسحة من المرجعيات الأميركية، الاقتصادية والمالية. وهو يعيش صراع كسر عظم سياسي بين يمين ليكودي شرس يأخذ موقع الهجوم وبين خصوم يكتفون بممارسة الدفاع الإحتوائي ولكن بلا جدوى حتى اللحظة، فيما الأمور تواصل هبوطها الاقتصادي. الأمر الذي حمل أحد المراقبين على التحذير من احتمال انتقال ربيع العرب إلى أميركا.