قوبل قرار الرئيس الاميركي باراك أوباما بفتح باب الانسحاب من أفغانستان، بمزيج من الارتياح الفاتر والتساؤلات المفتوحة. حرصه على تقديم الخطوة بأنها جاءت من "موقع القوة " وأنها تشكل بدء العدّ العكسي لطي صفحة الحرب، لم يقو على إشاعة أجواء التطمين المطلوب. فلو كان الوضع الأمني يقف فعلاً على أرضية صلبة، فلماذا تقسيط الانسحاب الجزئي لمدة 15 شهراً مبدئياً ؟ ثم لو كان الوضع بهذه " القوة "، فلماذا كان البنتاغون، من الوزير غيتس إلى القيادة الميدانية، شديد التحذير من تقليص القوات قبل مرور سنة على الأقل ؟ وكيف يستقيم الحديث عن انجاز الانسحاب الكامل في 2014 في الوقت الذي مازال فيه البنتاغون يعرب عن شكوكه في استكمال إعداد القوات الأفغانية بحيث تكون جاهزة في ذلك الحين لتتسلّم مهامها الأمنية وتضمن قطع الطريق على عودة "طالبان " ؟
قرار اوباما كان غير متماسك. وهو كذلك لأنه سياسي في الأساس، بزيّ عسكري. جاء بصيغة ترمي إلى شراء الوقت وتنفيس الضغوط ، السياسية والمالية والعسكرية. توازن من خلال خريطة طريق ضبابية. سجّل عليها المراقبون مآخذ عديدة، من عزوفها عن شرح جوانب أساسية مثل مهمة القوات الباقية لثلاث سنوات أخرى في أفغانستان، إلى اكتفائها بالعموميات على حساب التفاصيل، حين أشار مثلاً إلى أمور هامة مثل خسائر "طالبان " كما إلى " تراجع موجة الحرب في العراق وأفغانستان ". في أواخر 2009 نزل الرئيس الاميركي إلى حدّ بعيد، عند رغبة العسكريين وخلافاً لتوصية نائبه جو بايدن؛ حين وافق على تعزيز القوات بإرسال 33 ألف جندي إضافي. رضي بنسخ تجربة التصعيد التي اعتمدها قائد الجيوش الاميركية الجنرال ديفيد بترايوس في العراق. الآن الظرف يختلف. الحملة الانتخابية وحساباتها على عتبة الدار. خالف العسكر وعاد إلى نائبه، خوفاً من الثمن السياسي. خاصة وأن موضوع كلفة الحرب، أكثر من 100 مليار دولار سنوياً، بات ضاغطاً هو الآخر في زمن الشحّ المالي.
الرئيس أوباما يريد أن يكون " رئيس الانسحاب " من الحروب. وعد من البداية بتصفية إرث سلفه. عند مجيئه إلى الرئاسة، كان عدد القوات في العراق وأفغانستان حوالي 190 ألف جندي. مع نهاية هذا العام يبقى منها، إذا سارت الأمور حسب المرسوم، 68 ألف في أفغانستان. شوط ملحوظ. لكن بلوغ نهايته غير مضمون. القرار ليس بيد واشنطن لوحدها. والانسحاب مرتبط بظروف ومعطيات لا تقوى أميركا على التحكم بها تماماً. ورطة الاحتلال تركت خيارات محدودة للرئيس الاميركي. وكذلك عجز الموازنة، الذي " تبدّلت معه الظروف ولم تعد أميركا قادرة على الإنفاق بدون حساب لضمان وضعها المتفوق " كما قال وزير الدفاع غيتس. وثمة شبه إجماع في واشطن ما عدا بعض اليمين المتشنج الذي لا يرضى عن النصر التام بديلاً بأنه لا خيار عن مخرج سياسي ينهي الحرب. البديل يكون " أشبه بهرولة الاستعمار البرتغالي حين راح يترك مستعمراته في أفريقيا بعد أن نضبت موارده المالية وعجز عن مواصلة احتلاله" على ما قال أحد المحللين.