من جملة ما تشتهر به الحياة السياسية الأميركية، أنها أرض خصبة لتفريخ الفضائح الأخلاقية، فهذه صارت في عالم صناعة القرار الأميركي، أشبه باللازمة في الأغنية، جزء مكمل لها ومتكامل معها، لا تغيب إلا لتعود من جديد، عملية «تفقيس»، لا توقفها العبرة ولا الدروس، شملت البيت الأبيض أحياناً، نزولاٍ إلى حكام ولايات ووزراء ومروراً بالكونغرس الذي احتفظ لنفسه بكأس البطولة في هذا الإطار على طول الخط.

إن انكشاف العديد من الفضائح مع كل ما ترتّب عليها من إحراج وإهانة وإطاحة بالموقع والسمعة؛ وأحياناً من عواقب قانونية أدت بالمجازفين إلى السجن؛ لم يحل دون شطط الكثيرين من أهل السياسة، بقوا يسقطون تباعاً في الحفرة ذاتها.

إلى ذلك كان آخر الساقطين، قبل أيام، كان النائب الديمقراطي من نيويورك انطوني وينر، الذي افتضح أمر مغازلاته وإغراءاته بإرساله لصوره التي تبرز عضلاته المفتولة وصدره عبر وسائل التواصل الاجتماعي: التويتر واليوتيوب إلى فتيات جامعيات لا يعرفهن؛ في أكثر من ولاية، رعونة من قبل سياسي أربعيني، كان بدأ يتسلق سلّم النجومية في الآونة الأخيرة، فالنائب الليبرالي اليهودي المتزوج حديثاً من سيدة مسلمة من أب هندي وأم باكستانية والتي تعمل كمساعدة أولى وموثوقة للوزيرة كلينتون، سارع إلى النكران والمعاندة، في أول الأمر،

إلى ذلك نفى، كالعادة في مثل هذه المفاجآت غير السارة؛ بأنه أرسل الصور. لكن المكابرة لم تعمّر. بعد أيام قليلة اعترف، بناء على نصيحة محاميه؛ بحقيقة الأمر، مع دمعة ندم أمام الكاميرا.

ازدحمت المطالبات بوجوب استقالته. رفض وعاد من جديد إلى المكابرة. لكن في النهاية، لن يشذ مصيره عمن سبقوه وغادروا، في مثل هذه الحالة.

واينر ليس الأول ولا الضأن الأسود الوحيد في القطيع. كان هذا الأخير موجود من البداية، منذ ألكسندر هاملتون، أحد الآباء المؤسسين للجمهورية ووزير المالية العام 1792. وتوماس جيفرسون، الأب الروحي للدستور؛ كان له هو الآخر علاقات «برّانية». وحتى الرئيس فرانكلين روزفلت، أحد أيقونات التاريخ الأميركي، يندرج في هذه الخانة. ويقال ان جون كينيدي أيضاً انتمى إلى هذا النادي ولو بالسر.

لكن خلال العقود الأربعة الأخيرة، وبالتحديد منذ فضيحة ووترغيت السياسية على يد الرئيس نيكسون؛ لعبت وسائل الإعلام التي قوي عودها، دور الكاشف الرئيسي للشرود الأخلاقي في صفوف الطبقة السياسية. الذروة كانت في مونيكا غيت وبطلها الرئيس كلينتون. وكرّت السبحة.

 فتوالت فضائح السقوط التي تراوحت بين شراء الأجساد، أحد مستشاري كلينتون ثم حاكم ولاية نيويورك، على سبيل المثال، وبين الإنجاب خارج القفص الزوجي جيسي جاكسون ثم حاكم ولاية كاليفورنيا مؤخراً، مما أدّى إلى الطلاق والسيناتور والمرشح الرئاسي الأسبق جون ادواردز؛ بالإضافة إلى العديد من التحرشات الخشنة التي أدت إلى طرد مرتكبيها من الكونغرس، مثلاً السيناتور الجمهوري بوب باكوود، فضلاً عن الكثير من حالات استغلال عدد غير قليل من أعضاء الكونغرس لظروف عمل موظفات في مكاتبهم وتسخيرها لأهوائهم.

هذا السلوك جزء من الثقافة الأميركية. وهي متسامحة معه، طالما بقي بمنأى عن كسر القانون. وبالتحديد عن الإكراه كما عن تسخير الأموال أو الموارد العامة في سبيله. وكذلك المجتمع يتسامح معه، إلاّ في حالة لجوء المخالف للكذب.

يخسر الثقة وموقعه السياسي. من يقع في قبضة الرقيب القانوني أو الإعلامي انتهى أمره. ومعظمهم وقع. ومع ذلك تواصل مسلسل هذه الفضائح. وليس هناك ما يسمح بالقول ان فضيحة وينر هي حلقته الأخيرة.