يكاد مصطلح «ربيع العرب» أن يتحول إلى عنوان للمنطقة، في بحر المداولات الأميركية المتعلقة بأوضاعها الراهنة، فسيرته حاضرة حتى في الحديث عن الساحات الهادئة والمستقرة فيها؛ بل حتى في متابعة تطورات الحرب الأفغانية والعلاقات الأميركية الصعبة مع باكستان؛ باعتبار أن مجمل الأوضاع الإقليمية محكومة بتأثيرات هذا المخاض، النابع من أرض المنطقة وظروفها وغير القابل للانكفاء والتراجع.
وبقدر ما تتقاطع المقاربات الأميركية عند تلك الخطوط في تشخيصها لظاهرة «الانتفاضة» أو «حركة الاحتجاج» أو «الصحوة»، حسب التسميات الأولية التي استقرت في معظمها على تعريفها بـ«ربيع العرب»؛ بقدر ما تتباين في إطلاق التوقعات حول مآلها وآفاقها والمعادلات التي قد ترسو عليها، والأهم حول كيفية التعامل الأميركي معها.
مما لا شك فيه أن البوصلة الأميركية مشوشة، في هذا الخصوص، ويعود ذلك، في ضوء ما ينطق به طوفان الردود المتوالية على كافة الأصعدة الإعلامية والبحثية والسياسية والدبلوماسية في واشنطن، إلى سببين رئيسيين: إن الأميركيين تفاجأوا بموجة تغيير عارم، كان خارج حساباتهم وتصوراتهم وعلاقاتهم مع المنطقة، وثانياً، لأنه تعذر عليهم، حتى اللحظة، الحسم في الانحياز لـ«الربيع» أم لـ«الستاتيسكو» الذي يرغب ببقاء الوضع القائم وديمومته، بقوا يتأرجحون بين الاثنين؛ ليس فقط صناع القرار منهم، بل أيضاً صنّاع الرأي ومراكز الأبحاث والدراسات والمحللين الاستراتيجيين والأكاديميين.
عنصر المفاجأة
عنصر المفاجأة وزخم العملية غير المتوقعة وتداخل المصالح والحسابات، كله جعل من المشهد حالة شبه عصية على الإحاطة بها، ناهيك عن التحكم بها، فـ«الربيع» ينسجم مع الخطاب الأميركي ومزاعمه، أما الثاني فيصعب التفريط به، لأنه يتلاءم مع المصالح الأميركية، خاصة وأن العملية ما زالت في بداياتها ومفتوحة على كافة الاحتمالات.
وزاد من البلبلة أن موسم التغيير الهادر هذا، تزامن مع تحديات أميركية قاسية: من رواسب الأزمة المالية ومعضلة العجز والمديونية إلى حرب أفغانستان المعلّقة، مروراً بقرب الانسحاب من العراق، فضلاً عن ملفات أمنية واقتصادية أخرى ضاغطة مثل الإيراني والكوري الشمالي والصيني، يضاف إلى ذلك، أن كل هذا الحشد من الملفات والقضايا يزدحم على عتبة حملة انتخابات الرئاسة، التي باتت على قاب قوسين وأدنى.
المدارس الثلاث
من البداية، تكوّنت في واشنطن ثلاث مدارس؛ إزاء «ربيع » المنطقة: واحدة تدعو إلى دعم ومساندة «الحركات الساعية للديمقراطية»، من باب أن ذلك ينسجم مع «القيم الأميركية» ويخدم مصالح أميركا على المدى الطويل، كما يضمن لها تقدير التاريخ لموقفها.
فهذه «لحظة تاريخية نادرة لأميركا، كي تقدّم نفسها كبلد يناصر الناس العاديين ومنهم المسلمين»، الطامحين بالحرية والديمقراطية؛ كما قال مستشار الرئيس أوباما السابق لشؤون الأمن القومي جيمس جونز، عبارة تردّدت، بصورة أو بأخرى، على كل لسان تعاطى مع هذا الملف؛ من الرئيس أوباما ورجال الكونغرس إلى آخر محلل أو خبير في الشؤون الخارجية، أما الخلاف أو التنوع فكان في كيفية ترجمة هذا الدعم.
أما المدرسة الثانية، فحذرت من التدخل للمساعدة على الحسم، خاصة في ساحات ملتهبة مثل ليبيا لأن ذلك «يؤدّي إلى التورط في وضع هو في حقيقته حرب أهلية وليس انتفاضة»، على حدّ تعبير رئيس مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس ومعه عدد غير قليل من المحللين والباحثين، المتحفظين على الأقل، أما المدرسة الثالثة فدعت إلى الاستنساب.
على أساس الموازنة بين المصلحة والمبادئ التي تفرض الانحياز إلى جانب الموجة، سياسة لخّصها وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر بتعبير «البراغماتية المثالية»، التي تقضي عملياً بترجيح كفة الأولى، المصلحة ،من دون تجاهل الثانية، لكن ليس بأكثر من التعاطف معها ومنحها الدعم المعنوي من بعيد.
إدارة أوباما اختارت الأخيرة، إلى حدّ بعيد، على الأقل حتى الآن، فاتسمت مقاربتها، في الظاهر، بكثير من التردّد والتذبذب والقفز، فغضّت النظر حيث قضت المصلحة، وركبت الموجة حين سنحت الفرصة، وكل مرة لعبت خيارها حسب ما قضت به موازين اللحظة، أو عندما بدت الخسائر غير مكلفة والاعتراض بالكاد ملحوظ، كما جرى مع ليبيا، وميّزت حتى بين الأصدقاء، فتعاملت بلغة لينة تدرجت بسرعة إلى ضاغطة مع صديق هام، مثل مصر مبارك؛ حيث نسبة المجازفة ضئيلة، وبأخرى أقل إلحاحاً وأكثر ضبابية مع حليف آخر هي بحاجة إلى تعاونه الأمني، مثل الرئيس اليمني قبل مغادرته.
مطبخ القرار
إن عدم تجانس سياسة الإدارة الأميركية أثار انتقادات كثيرة، ومعظمها كان بدوافع سياسية، لكن الرئيس أوباما وفريقه أعطوا المجال لتسجيل المواقف على البيت الأبيض، فالخلافات داخل مطبخ القرار، طالما طلعت مراراً، إلى السطح، وفي أحيان كثيرة جرى التراجع عنها أو اعتماد نقيضها، بعد يوم أو أقل، والرئيس كان آخر من ينطق علناً بالموقف، ولم يفعل إلاّ بعد الإلحاح والمطالبة.
وأحياناً الملامة، فدائماً كان وراء الحدث، ورد الفعل كان القاعدة في تعاطيه مع الموجة وفروعها، ثمة من رأى في ذلك الموقف الحذر كان في محله، «فالرئيس أحسن التعامل مع المستجدات: حفظ مصالحنا من دون تفريط بالقيم التي نتمسك بها»، كما عبر عن ذلك مساعد وزير الخارجية السابق والأستاذ الحالي في جامعة هارفارد نيقولا بيرن ؛ أثناء ندوة شارك فيها في مؤسسة «كارنيجي للسلام» بواشنطن.
وكثيرون من خبراء الدبلوماسية الأميركية، رأوا الأمور من نفس الزاوية، في حين شدّدت مرجعيات أخرى على وجوب «أن لا تتعارض مصالحنا مع قناعاتنا وقيمنا» كما تقول وزيرة الخارجية في عهد كلينتون مادلين أولبرايت في مطالعتها خلال مؤتمر «أميركا والعالم الإسلامي» الذي عقد في واشنطن، يوافقها في ذلك فريق لا يستهان به من الباحثين والمحللين.
يقول روبرت موللي، أحد أبرز الخبراء في شؤون المنطقة «الثبات في الموقف» أمر أساسي في السياسة الأميركية إزاء تحولات الشرق الأوسط، لكن لا هو ولا غيره جاء بمثل هذه الوحدانية في الموقف، فكافة المداولات خلت من تصوّر متماسك من هذا النوع، فما جمع بينها العموميات فقط، التي تقاطعت عند التنويه بأهمية التغيير والترحيب به فضلاً عن التعاطف معه والاستبشار بالفرص التي ينطوي عليها والتي ينبغي عدم تفويتها.
