منذ دخوله البيت الأبيض، كان أحد هواجس الرئيس الأميركي باراك أوباما أن تكون صورته في الخارج، خاصة في العالمين العربي والإسلامي، مسالمة وكلمته موثوقة.
طموحه كان أن يقترن اسمه بعملية تغيير استراتيجي في السياسة الخارجية الأميركية تقوم في الأساس، على الانفتاح والحوار. أن يقود انعطافة باتجاه النقيض لعهد سلفه. هذا ما بشّر به في خطاباته الشهيرة في اسطنبول والقاهرة وأوسلو لأنه يحمل قناعات مختلفة ومؤهلات عالية ومن خلفية منحازة إلى التصحيح والابتعاد عن سياسة العصا. والشعب منحه الثقة، غير أن المحك كان في ترجمة هذه المقاربة على الأرض.
وفي هذا الاختبار تعثر أوباما و«تفركش» (تعثّر)، بالأحرى «فركش» حاله. فالتحولات الكبيرة يلزمها قرارات على «قدّها» ومن فوق الحسابات السياسية والانتخابية، مهما كانت هامة وضاغطة، تهيّب الإقدام على كسر المألوف، تردّد ولجأ إلى الضبابية والتكويع والالتباس بدلاً من الإصرار والحزم، فكان أن اهتزت صورته وتخلخلت الثقة بقيادته.
كان الأسبوع الماضي نسخة مكبّرة عن هذا المشهد، ما أثاره تعامله مع ملفات المنطقة من ردود، ينطق بذلك إذ أعاد إلى الشاشة صورة التخبط والتضارب والتراجع التي طبعت ورافقت سياسته الشرق أوسطية.
اما الذروة كانت في نكسته الدبلوماسية الجديدة، أمام نتانياهو. بدل أن يسترجع الرئيس، المستقوي بوهج عملية بن لادن. المبادرة، تركها لزعيم الليكود، وبدل أن يطرح مشروعه، اكتفى بتلميح خجول وبديهي وغير جديد بكل حال، بخصوص الحدود، على عادته، مسك العصا من النصف، لأن «الثعلب» الإسرائيلي استشعر استمرار الضعف، في اللحظة التي وضع فيها، من خلال الاتصال الذي أجرته معه الوزيرة كلينتون، في جوّ نصّ خطاب الرئيس الموعود.
استغلال الوضع
في غضون ذلك، عمل نتانياهو ما يمكن تسميته «من الحبّة قبّة» والتقط المبادرة ليتولّى ومعه فريق واسع في الإعلام والكونغرس، الهجوم ويضع الرئيس وإدارته في الدفاع، حيث واصل دفاعه في خطابه في مؤتمر اللوبي الإسرائيلي بواشنطن. فبدا وكأنه نادم على ما تسبب به من سوء تفسير.
وبعد الخطاب مباشرة وحتى اللحظة، التزمت الإدارة الصمت، وكأنها وضعت موضوع السلام والدولة كله على الرفّ، خاصة وأن نتانياهو كان في خطابه أمام الكونغرس وما حظى به من احتضان في هذا الأخير، قد دقّ المسمار الأخير في نعش التسوية، على الأقل طالما هو في رئاسة الحكومة. خسر طوعاً، جولة أخرى مع نتانياهو.
ووفق تسريبات موثوقة مصادرها، أن هناك فريقاً من طاقمه دعاه إلى اعتماد مقاربة أكثر حسماً، في هذا المجال. لكنه في النهاية عمل بنصيحة الفريق المحابي لإسرائيل في الإدارة. حتى الجهات والدوائر المؤثرة الواقفة إلى جانبه والتي تصدت للحملة عليه، سجّلت مآخذها على طريقة تعاطيه مع الموضوع كما على تذبذبه، ليس بشأن عملية السلام فحسب؛ بل أيضاً في قضايا وملفات أخرى أبرزها تجاه ليبيا، حيث القفز بلغ مداه في الأيام الأخيرة.
فمن جهة، هو يتحدث عن «حشد كل الإمكانات المتاحة والعمل على أنجاز المهمة في الوقت المناسب»، ومن جهة ثانية، يتردد في تزويد الناتو بالسلاح الجوي المطلوب للساحة الليبية، هذا فضلاً عن فيض الانتقادات في الكونغرس والإعلام وأوساط المعنيين بشؤون السياسة الخارجية في مراكز الأبحاث وغيرها، لسياسة إدارته الضبابية، إزاء الأزمات الأخرى. وبالذات الأزمتين اليمنية والسورية.
مشكلة الرئيس أوباما أن الارتقاء السليم لديه، موجود في مقارباته الواعدة؛ لكن السياسي المساوم فيه حاضر في قراراته. عجز عن تسخير الثاني للأول. فلا وصل إلى صورته المنشودة ولا تفوّق بجولاته السياسية ضد المختلف معهم.