دخل الأسبوع الثاني على عملية اغتيال زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن في «أبوت أباد» وتفاصيلها المثيرة وأجواء الارتياح، كلها بدأت تخبو في واشنطن. أخذت حقها وأكثر من طوفان التغطية والأضواء والتجيير السياسي، والآن جاء وقت السؤال: ماذا بعد بن لادن؟.. حوله تدور المداولات الجارية بخصوص ملفات وعلاقات وحسابات وسياسات، تتعلق بأوضاع المنطقة وجوارها وفي القلب منها باكستان، والتي تمثل العلاقة معها، محور الجدل الدائر بين دعاة ترميمها وبين الدافعين باتجاه تأزيمها ونسف القواعد التي تحكمها. كانت صعبة وسريعة العطب، قبل الحدث. وبعده صارت أصعب ومأزومة أكثر، في ضوء ما رافقه من ملابسات؛ أدّت إلى فتح نيران التراشق بقنابل التحذير المتبادل، بين الجانبين وعلى نحو غير مسبوق.
خرق للسيادة
وفيما تأخذ إسلام أباد على واشنطن خرقها للسيادة الباكستانية وتتوعّد بعدم التفرج لو كرّرت واشنطن خرقها للسيادة الباكستانية، في محاولة لحمل هذه الأخيرة على طي ملف بن لادن وملحقاته الباكستانية نهائياً، ترمي واشنطن من مطالبتها لإسلام أباد بتقديم تفسير حول إقامة بن لادن لسنوات قرب مدرسة عسكرية وفي ضاحية قريبة من العاصمة إلى حمل هذه الأخيرة على تقديم تنازلات في علاقاتها العسكرية مع طالبان أفغانستان وغيرها من المنظمات الباكستانية المشابهة، فضلاً عن تزويدها بمعلومات إضافية عن القيادات الباقية من القاعدة، المتواجدة على الأراضي الباكستانية، كما يعتقد الأميركيون.
زواج جيواستراتيجي
كل طرف يستخدم ورقة مآخذه إما لتقليل خسائره أو لزيادة مكاسبه، لكن الجانبين يدركان حدود اللعبة المحكومة «بزواج جيواستراتيجي غير موفق والطلاق فيه متعذر»، كما وصفه مايكل أوهانلن، الباحث في شؤون السياسة الخارجية بمؤسسة «بروكينغز للدراسات» في واشنطن.
وظهرت أصوات كثيرة من جهات مختلفة ومنها في «الكونغرس» تدعو إلى وقف المساعدات والتي تبلغ أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنوياً، «إذا بقيت باكستان تلعب على الحبلين»، كما طرح البعض خيار التلويح بالورقة الهندية صراحة أو حتى التخلي نهائياً عن العلاقة التقليدية معها لصالح عقد تحالف كامل مع نيودلهي، لكن مثل هذه الدعوات لم تلق أي صدى في الإدارة، ولا حتى لدى أركان «الكونغرس» من الحزبين، وذلك لوجود اعتبارات عدة، منها الحاجة لباكستان في حرب أفغانستان.
وكذلك وجود ترسانة نووية أميركية في باكستان والتخوف من احتمال وضع اليد عليها من جانب القوى المتشددة، فالبلد «يجتاز أخطر وأدق مرحلة في تاريخه وبما يتعدّى بن لادن وطالبان وحرب أفغانستان مجتمعين» كما يقول الباحث الاستراتيجي المعروف انطوني كوردسمان من مركز «الدراسات الدولية والاستراتيجية» بواشنطن، ويعود ذلك إلى «حالة العنف وعدم الاستقرار السائدة والتي تؤشر إلى اقتراب عاصفة كاسحة تضرب الأوضاع وتؤدي إلى اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة».
ويسود اعتقاد يكتسح الأوساط في واشنطن أن هناك جهات عسكرية باكستانية كانت على علم بأمر بن لادن، وكثير من الردود الأميركية كانت وما زالت مشحونة بالنقمة على إسلام أباد، وبالتحديد على جهات عسكرية واستخباراتية معينة وليس تجاه كل المؤسسة التي يتزايد الحديث في واشنطن وبتخوف عن ضعف التجانس في صفوفها، لكن الحرص واضح على عدم قطع شعرة معاوية مع إسلام اباد، فالغضب ليس استراتيجية وفقا للخبير بروس رايدال من بروكينغز، ويوضح «الخيار الصحيح هو في التواصل مع باكستان ولو مع تحديد الخطوط الحمراء»، ويعكس حديثه التوجه الغالب في واشنطن، حتى الآن.