أميركا والكوارث الطبيعية توأمان. كل ما يمكن أن ينتجه خطأ الجغرافيا والجيولوجيا، موجود على أرضها. لا يعتب عليها شيء منه. كل غضب طبيعي له حصته وموسمه السنوي، على الساحة الأميركية. وهو يتجدّد باستمرار. وكله من العيار الثقيل، الكاسر والمدمر. تشكيلة تتكون منها دورة كاملة، يتنقل شبح حلقاتها من منطقة إلى أخرى. منها المعروفة مقدماته ومتوفرة التوقعات بشأنه، بحيث بات من الميسور أخذ الحيطة مسبقاً، لاجتناب خسائره البشرية، مثل الأعاصير والفيضانات. ومنها المفاجئ مثل الزلازل والانهيارات الترابية والحرائق، في الغرب الأميركي. كما منها العصي على فهم حقيقته بصورة علمية قاطعة وبما يسهل التكهن بلحظة وقوعه ومعرفة مساره، بحيث يتيح المجال لتقليص حجم ضحاياه.
في هذه الخانة الأخيرة تندرج كارثة الزوابع الكاسحة، التي ضربت مناطق أميركية واسعة الأسبوع الماضي، بضراوة وكثافة غير مسبوقة. هي ليست جديدة. تعصف عادة بمناطق الجنوب وسهول الوسط الأميركي وشماله. جزء يعرف بممرّ الزوابع. تتجول فيه هذه العواصف الهادرة، التي تحيل كل ما يقع في طريقها إلى ركام، خلال شهري مايو ويونيو. وهو مسرحها، بحكم كونه عرضة لتصادم التيارات الرطبة الحارة الصاعدة من خليج المكسيك، مع التيارات الهوائية الباردة الهابطة من القطب الشمالي عبر كندا. بيد أنه لا يوجد تشريح علمي دقيق لعوامل هذه الظاهرة المناخية المخيفة.
التعريف الذي يجمع حوله المختصون هو أنها تقع على «الخط الفاصل بين المعروف والمجهول». السبب الحاسم المؤكد، ما زال غير معلوم، وفق العديد من الخبراء والباحثين. ففي تركيبتها، ليست هذه الظاهرة سوى بخار وهواء. لكن في تفاعلاتها وسرعتها وقوتها التدميرية تبدو أكثر تعقيداً وإبهاماً.
حيرة خبراء
وما يزيد من حيرة خبراء المناخ والأحوال الجوية، أن «هناك أحيانا عناصر غريبة بسيطة تتسبب في إحداث الزوبعة وأحياناً لا تتسبب بها»، كما يقول أحد علماء المركز القومي للأبحاث الجوية. ولذلك، بقيت التكنولوجيا والأبحاث، بالرغم من التقدم الهائل فيهما عاجزين عن استباق الزوابع بتوقعات دقيقة حول مكان ووقت حدوثها. كل ما أمكن عمله حتى الآن، لا يتعدّى إطلاق التحذيرات قبيل ساعة أو أقل، حول احتمال حصولها. وفي حالت كثيرة يتبين أنها كانت أقرب إلى التكهن منها إلى اليقين.
المؤكد فيها، أنها متلازمة مع العواصف الرعدية ومع توفر معادلة تؤدي إلى تغيير الحركة الدائرية للريح في الطبقة الجوية «من وضعها الأفقي إلى وضع عمودي»، تلامس معها الأرض بسرعة تصل إلى أو تزيد عن 150 ميلاً في الساعة وبقاعدة يصل قطرها إلى حوالي ميل.
ويتكرر هذا الانقضاض، الذي لا تتجاوز مدته الخمس دقائق على الأكثر، بين 800 إلى1200 مرة خلال الموسم، في الولايات التي يضربها. الحصة الأكبر منها لولاية تكساس. فقط عام 1974 شهد هذا المعدّل قفزة عالية: 148 زوبعة ضربت 13 ولاية في غضون 16 ساعة. أما الكلفة البشرية فتتراوح سنوياً بين 60 إلى 80 ضحية.
معدلات سابقة
لكن كارثة الأسبوع الماضي كسرت كل المعدلات والأرقام والمقاييس السابقة. شهر ابريل لوحده، سجّل 800 زوبعة. حوالي نصفها، خلال يومي الأربعاء والخميس الماضيين. سرعة معظمها، تجاوز 200 ميل في الساعة. كانت كافية لمسح كل شيء في طريقها، مع الأرض. حوّلت أماكن برمتها إلى بقايا متناثرة على مساحات واسعة. قذفت بسيارات وآليات وأشياء منقولة، على مسافة أميال.
قصف الطبيعة الجوي الذي بدأ من أعماق الجنوب ووصل إلى ضواحي واشنطن، حصد أكثر من 320 ضحية. وعمليات البحث ما زالت جارية عن العديد من المفقودين.
عدا عن مئات الجرحى وآلاف المشردين بلا مأوى. وتشير بعض التوقعات بأن وباء الزوابع ربما امتد إلى بقية الموسم، الذي بدوره قد تتمدد مدّته هو الآخر.
ظاهرة ولغز
بالرغم من أن هذه الظاهرة ما زالت أقرب إلى اللغز، إلاّ أن بعض الباحثين ربطوا بين هذه الفورة الجنونية للطقس وبين سخونة المناخ. خاصة وأن حرارة سطح المياه في خليج المكسيك، مصدر الضخّ الأساسي للرطوبة المكونة للأمطار في جنوب وشرق الولايات المتحدة، قد ارتفعت بحوالي درجتين (فارنهايت) . سخونة، يقول هؤلاء أنها لا بدّ وأن تكون ساهمت في هذه القفزة المناخية الخطيرة، لأنها مسئولة عن كثافة الرطوبة التي تتحول إلى سحب ركامية هائلة فوق مناطق التصادم بين التيارات الهوائية، الساخنة والباردة.
لكن كالعادة، لا تجد مثل هذه التفسيرات والتحذيرات آذاناً صاغية، بالرغم من هول ما حصل وما هو مرجح وقوعه سواء من هذا الطراز من الكوارث وغيرها وبالتحديد الأعاصير المدمرة، التي تجتاح جنوب وشرق الولايات المتحدة، بين مطلع الصيف وأوائل الخريف؛ بمعدل 12 إعصاراً في السنة، حسب إحصاءات العقود الثلاثة الأخيرة.
ولا يقل خطر هذا الزائر السنوي عن الزوابع. خاصة لجهة سرعة الرياح التي تصل إلى 150 ميلاً في الساعة. بل هو أشد خطراً لما يتسبب به من فيضانات تغرق أحياناً مناطق بكاملها، نظراً لغزارة الأمطار التي يأتي بها والتي تغمر عدة ولايات في كل مرة؛ كما حصل عام 2005 عندما ضرب إعصار كاترينا الجنوب وطمر 80 في المئة من مدينة نيو أورليانز.
