عاد العالم العربي ليحتل حيزا من اهتمام المجتمعين في دافوس، وذلك عندما وضعت على بساط البحث مناطق التوتر الفعلية والمحتملة في العالم، والتي من شأنها أن تحتل صدارة مشهد الأمن العالمي خلال العام الذي نستقبله. فعندما تم تعداد بؤر التوتر الساخنة الحالية، تصدر ‬5 دول عربية منها: تونس ومصر وبعدهما لبنان رأس القائمة عالميا، تليها دول مثل ساحل العاج، باكستان، أفغانستان، وكوريا الشمالية.

نفس الأمر تكرر عند الحديث عن بؤر التوتر العالمية التي «تسخن بسرعة شديدة» احتلت السودان واليمن وسط القائمة، تابعة لدول آسيا الوسطى من قبيل طاجكستان، قرغيزستان، وأوزبكستان، إضافة لغينيا بيساو وسريلانكا، ومتقدمة على دول أميركا الوسطى.

ورأي المشاركون في ندوة خصصت لبحث ملامح الأجندة الأمنية عالميا خلال ‬2011، أن الأزمات الحالية في تونس ومصر تعكس مزاج الشارع العربي، حيث ان مواطني هذه المنطقة من العالم «محبطون، غاضبون، ولا يشعرون بالارتياح» نتيجة غياب عنصرين مهمين: الإصلاح السياسي والاقتصادي، والسلام، حيث يتعثر الأول ولا يسير بسرعة ملموسة، بينما يراوغ العنصر الثاني ويتسرب من بين الأصابع (على صعيد عملية السلام العربي الإسرائيلي).

وتطرق المشاركون إلى حرج الموقف في ساحل العاج، حيث التعويل على تعقل الرئيس الخاسر لوران غباغبو لن يؤدي لنتيجة، والتدخل العسكري لفرض الإرادة الدولية يبدو بعيدا. فأمام عزف غباغبو على وتر«الماضي الاستعماري» في أفريقيا، والخريطة الإثنية المعقدة لدول الجوار ينتصب سؤال كبير حول أي الدول ستكون مستعدة لإرسال جنودها إلى هذا البلد في نطاق مهمة سلام أممية.

وبخصوص باكستان وأفغانستان، فقد وجه المشاركون انتقادات لاذعة للغرب والمجتمع الدولي الذي أغفل مجتمعهما المدني، أحزابها ونقاباتها والمدافعين عن حقوق المرأة فيها، واكتفى بمخاطبة الجيش في نطاق حربه على الإرهاب، علاوة على أنه لم يقدم المساعدة الكافية للسياسيين المنتخبين في هاتين الدولتين لتقوية المعايير الديمقراطية، وهو الأمر الذي أضعف في النهاية هذه الهيئات المدنية، وقاد إلى الحالة المتوترة التي توجد فيها البلدان. نفس الانتقادات وجهت للغرب والمجتمع الدولي في حالات سريلانكا، والصومال. حيث تجاهل في حالة الأولى حقيقة أنه لا يمكن ضمان قيام واستمرار سلام دائم على أرضية من غياب العدالة، وفي حالة الثانية استمر في تجاهل حالة الهشاشة التي تعاني منها إلى أن سقطت، وهي الوضعية التي توجد فيها اليوم دولة أفريقية أخرى هي غينيا بيساو، والتي تئن تحت وطأة هجمات عصابات دولية متخصصة في تهريب المخدرات إلى أوروبا، وهو نفس الوضع الذي تعاني منه أيضا بعض دول الساحل الشرقي لأفريقيا، وكذا بعض دول أميركا الوسطى.

وغير بعيد عن عملية رصد البؤر الساخنة عالميا، خصصت في اليوم الثاني للمنتدى، جلسة خاصة حول مستقبل النظام العالمي الذي يتشكل حاليا، وذلك تحت عنوان غني الدلالة «مستقبل المعادلة الصفرية». حيث خلص المشاركون، أنه وبتأثير من تداعيات الأزمة المالية العالمية، وكذا المشاكل السياسية التي لا تزال مستعصية على الحل، وانتهاء حقبة الرأسمالية العالمية المبنية على القيم الغربية للحكامة، يوجد العالم الآن على مفترق طرق، تتقاذفه ثلاثة سيناريوهات: الأول هو عالم «المعادلة الصفرية» حيث تتصارع القوى الكبرى القديمة والحديثة، حيث تسيطر ديناميات التجزئة على ديناميات العولمة. أما الثاني فيتحدث عن «فوضى»عالمية تطبعها تشكيلات مرنة ومؤقتة للقوى العالمية، بينما يتحدث السيناريو الثالث عن «تشتت» القوة وتشظيها إلى فاعلين غير دوليين (جماعات ومؤسسات لا تنتظم في إطار دول).

وركز المشاركون على أن التصور الموجود في كل من واشنطن وبكين لمستقبل العلاقات الأميركية الصينية سيحدد إلى مدى بعيد شكل النظام العالمي الجديد، مرجحين أن تأخذ هذه العلاقة شكل شراكة استراتيجية، تكون فيها مساحات واسعة ومحددة للتعاون، مع استمرار وجود مناطق منافسة مفتوحة. وأكد المشاركون في الندوة أن التحول الحالي في مركز القوة الذي يشهده العالم، لا يتجه إلى استبدال «الهيمنة الأميركية» بهيمنة صينية، بمقدار ما هو توزيع وانتشار للقوة على لاعبين دوليين من الحجم المتوسط، إضافة للصين والولايات المتحدة بطبيعة الحال. وتوقع المشاركون أنه في خضم هذا العالم الجديد الذي يتشكل، وانخراط مجموعات جديدة في إدارته كالشركات، المنظمات غير الحكومية، الهيئات الدولية، وغيرها، فإن مبادئ الشرعية التي حكمت النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ستخلي مكانها لصالح مجموعة من المواقف والتوجهات عنوانها «المبادئ الفعالة (التي تعمل بكفاءة) هي المبادئ الشرعية». وهنا يتوقع أن تحل تحالفات متداخلة تضم فاعلين دوليين وغير دوليين محل منظومات القوة التقليدية.