إن محاولة اغتيال عضو مجلس النواب الأميركي أمس الأول، في مجزرة خضّت واشنطن وسقط فيها ستة قتلى وعدد من الجرحى؛ أعادت فتح ملف العنف السياسي في الولايات المتحدة. بل ملف العنف عموماً، فيها العملية مثل كثير من الحوادث المشابهة التي سبقتها؛ ليست بنت ساعتها. ولا هي نتيجة وضع محدّد بعينه هي حصيلة مزيج من الاثنين. من هذه العوامل ما هو كامن ومتوارث، في الحياة الأميركية ومنها المستجد الذي أعطى شحنات إضافية لمثل هذا المناخ. فلا الاغتيال السياسي طارئ على الوضع الأميركي. ولا المناخ السياسي الراهن بريء من الجريمة الإرهابية الأخيرة.

ثقافة العنف متأصلة، في الحياة الأميركية. لا ينكر الأميركيون ذلك. الانجازات والخطوات الهائلة التي تحققت في مجالات ترسيخ دولة النظام والقانون والممارسة الديمقراطية، ما زالت غير قادرة حتى الآن، على الخلاص منها نهائياً. يطل العنف بين الحين والآخر بتعبيرات فظيعة: قتل عشوائي في مدرسة أو مكتب شركة أو مركز عمل أو باغتيال وجه سياسي. ساعدت في ديمومة هذه الثقافة، إباحة اقتناء السلاح الفردي في أميركا. كلاهما، الثقافة وحمل السلاح غذّى الآخر وضمن استمرار غيوم السبت كانت لهذا الثنائي عودة إلى القتل السياسي.

المستهدفة، نائبة من الحزب الديمقراطي ويهودية الأب؛ تمثل إحدى محافظات ولاية أريزونا. استهدافها وفي هذه الولاية بالذات، ليس صدفة. فهذه الأخيرة، كانت في الآونة الأخيرة وبالتحديد بعد صعود حزب « الشاي»، بمثابة « عاصمة » العنصرية والكراهية والتزمت في أميركا. خاصة ضد الخصوم كما الأجانب.

خطاب اليمين و«الشاي» على رأسه، صوّب بشكل خاص على قواعد وأنصار الحزب الديمقراطي والتيار الليبرالي . خطابه، بلغ مدى غير مسبوق، في التحريض ضدّ من يخالفه الرأي لم يتردد في وضع المخالفين في خانة «الخائن»، تعبير يوحي بوجوب الخلاص من الخصوم، الذين لا يرون أميركا من نفس منظارهم المتعصب. تيار، لا يرى الأمور إلاّ بعين واحدة. كل ما عداها معاد. نشر لغة الكراهية والسخط والنقمة، ضدّ ما يتصل بالرئيس اوباما ورئاسته وحزبه ومناصريه. والمعلوم أن هذا اليمين تسانده ماكينة إعلامية، مرئية ومسموعة ومكتوبة، بالغة التأثير على الشارع تولت نشرهذه اللغة وساعدت في قلب ميزان القوى ضد حزب أوباما في انتخابات الكونغرس الأخيرة، التي جاءت بحزب الشاي.

النائبة المعتدى عليها، تعرضت لمضايقات وتهديدات في الآونة الأخيرة. وكذلك القاضي الفيدرالي الذي قتل في المجزرة. والمعروف أن مئات القضاة تعرضوا في السنوات الأخيرة لتهديدات متوالية استدعت وضعهم تحت الحراسة الدائمة.

الاغتيال السياسي في أميركا قديم. أربع رؤساء قتلوا خلال الخدمة. والقتل العشوائي بالجملة، هو الآخر ليس غريباً عن هذه الساحة. ذروته كانت في مجزرة أوكلاهوما سيتي عام ‬1995. لكن أجواء ولغة الكراهية والنبرة العدوانية الراهنة، غير مسبوقة. قيل ان المتهم في عملية أمس، مختل. ربما. لكن الخطاب الأميركي الحالي المأزوم، لا بدّ أنه شكل أرضية خصبة لجريمته.