للمرة الأولى منذ عقود تسلمت السلطة في بريطانيا حكومة ائتلافية تتبدى سياساتها الشرق أوسطية بمحاولة تمكينها من تحقيق طموحها باستعادة دور فاعل في المنطقة أفل منذ زمن. ويبدو أن الدافع وراء هذه النقلة النوعية في سياسة بريطانيا الخارجية، بخاصة نحو الشرق الأوسط، هو تراجع دورها في المنطقة وانهيار تأثيرها الدولي في ظل حكومة حزب العمال السابقة وتحديداً حين ترأسها طوني بلير والتحاقها بسياسة إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ومشاركتها واشنطن غزو أفغانستان والعراق الذي يعارضه الناخبون البريطانيون بشدة. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية البريطانية باري مارستون إن «إحدى أولويات الحكومة ستكون التركيز على العلاقات مع الدول الرئيسية في المنطقة وتعزيز نوعيتها جراء الإهمال في الأعوام الماضية في تفعيل علاقاتنا مع هذه الدول». وأوضح أنه «لن تكون هناك إمكانية لمواجهة التحديات المشتركة من دون التفاهم بين بريطانيا والدول العربية»، مضيفاً: «نحن بحاجة لإقامة حوار عالي المستوى لدعم هذه الأولويات وبالشكل الذي يمكّن بريطانيا من لعب دور فاعل في المنطقة». وفي الموضوع اللبناني، أكد مارستون أن «لندن لا تريد أي عودة للماضي أو للمواجهات بل تدعم بقوة جهود الحوار الوطني لتحسين الأوضاع السياسية والأمنية بما فيها حزب الله». وشدد على «استمرار بريطانيا بلعب دور فاعل في العراق». وتشعر الحكومة الائتلافية أن تأثير بريطانيا تراجع كثيراً في ظل الحكومة السابقة. وأقرّ وزير خارجيتها وليام هيغ بأن نفوذها «سيتآكل ما لم تحافظ على موقعها الدولي وتوازن سياستها الخارجية». وتجد الحكومة الائتلافية صعوبة في التحدث بلغة مشتركة وإظهار طابع الانسجام على توجهاتها جراء تضارب المواقف بين شريكي الحكم، حزب المحافظين وحزب الديمقراطيين الأحرار، حيال عدد من قضايا السياسة الخارجية ونتيجة زلات لسان رئيسها ديفيد كاميرون ونائبه نك كليغ. وباتت العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة موضع شك بعد أن كشفت وثائق سرية نشرها موقع «ويكيليكس» أن الدبلوماسيين الأميركيين ووصفوا رئيس وزرائها الجديد بأنه «ضحل سياسياً». لكن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون يصرّ على أن بريطانيا «لا تتراجع دولياً ولم تهمّش ولا تزال في مركز القرارات العالمية الكبرى»، متعهداً بأن تركز السياسة الخارجية على «الدفاع عن مصالح بريطانيا وتمكينها من استعادة احترامها في العالم». فهل تنجح لندن في محو آثار مشاركتها في غزو العراق وأفغانستان وإنهاء تبعيتها لواشنطن وإعادة التوازن لسياستها الخارجية لكي تستعيد دورا فاعلا في المنطقة كما تطمح.. أم أن شمس الإمبراطورية قد أفل فعلاً؟.
