تعيش الجزائر أزمة سكن كبيرة في ظل ارتفاع حاد في أسعار العقارات لعدة أسباب، منها سوء التنظيم، إلا أن الطلب الكبير على العقارات السكنية فاقمت من الموضوع، حيث أشارت إحصائيات إلى أن الجزائر تحتاج إلى توفير 2.5 مليون وحدة سكنية خلال الأعوام العشرة المقبلة، فيما رصدت الحكومة مبلغ 4.15 مليارات دولار لترميم التجمعات السكنية القديمة.
وفي تفاصيل أزمة السكن الخانقة التي تعيشها الجزائر، رصدت وزارة السكن والعمران مبلغ 4.15 مليارات دولار لترميم وإعادة تأهيل التجمعات السكنية التي يعود تاريخ بناء بعضها إلى الفترة ما قبل حصول الجزائر على استقلالها عن فرنسا في العام 1962، في محاولة لتغطية العجز المتفاقم في المساكن والمكاتب وكبح جماح أسعار العقار الملتهبة.
وأحصت الوزارة أكثر من 80 ألف بناية قديمة في حاجة إلى صيانة عاجلة، منها 25 ألف بناية جماعية يقطنها 120 ألف نسمة معرضة للانهيار في حال عدم إعادة ترميها وتأهيلها بسرعة كون أغلبها يقع في المدن الرئيسية الكبرى في شمال البلاد وهي العاصمة الجزائر وهران غرب العاصمة وعاصمة الشرق قسنطينة وولاية عنابة شرق البلاد، وهي مدن يعود تاريخ بناء بعض الأحياء فيها إلى الفترة الممتدة من بداية القرن العشرين إلى غاية 1958 من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية.
وأشارت وزارة السكن والعمران، أن ارتفاع تكلفة الترميم والصيانة وإعادة الـتأهيل يعود إلى ارتفاع نسبة المساكن الجماعية القديمة المملوكة للدولة والبالغ عددها 30 في المئة من إجمالي مساكن الهيئة الجزائرية التي تتوزع على 6.5 ملايين مسكن، وتضم أيضا 1.85 مليون بناية تابعة للقطاع العام، وهو ما يعادل 28.45 في المئة فيما تعود ملكية 72.5 في المئة المتبقية للقطاع الخاص، أي ما يعادل 5.7 ملايين وحدة سكنية يعود أغلبها للفترة التي أعقبت استقلال البلاد.
مراجعة حكومية
وقال وزير السكن والعمران عبد المجيد تبون، إن الحكومة قررت مراجعة سياسة السكن والعمران التي انتهجت منذ السبعينـات حيث شكلت مسألة السكن إحدى المعالم البارزة للأزمة التي عرفتهـا الجزائر بسبب التسيير السياسي لملف السكن بعيدا عن أية دراسة اقتصادية صحيحة.
وأضاف تبون، في تصريح لـ«البيان»، أن الطريقة المتسرعة والسياسية التي يعالج بها ملف السكن في الجزائر تسبب في تكرار نفس الأخطاء التي انتهجت في معالجة الملف، مما أنتج حوالي مليون سكن مغلق إلى جانب عدم توازن خطير بين مختلف مناطق البلاد نجم عنه نزوح قوي نحو العاصمة الجزائر التي يصل عدد سكانها 4.2 ملايين نسمة، ونحو بعض المدن الكبرى على غرار وهران وقسنطينة وعنابة وسطيف وباتنة وسكيكدة التي أصبحت تعاني من عجز رهيب في مجال الوحدات السكنية وفي مجال البنى التحتية الضرورية ومنها المدارس والمستشفيات، وهو النزوح الذي ساهم في رفع العجز في مجال المساكن والعقارات الموجهة للاستخدام السكني والتجاري والمكاتب.
البرامج المليونية
ومن جهته يرى الخبير الاقتصادي والمهندس المعماري جيلالي عمرو، أن البرامج المليونية التي يتحدث عنها الجميع، هي عبارة عن ملفات تشوبها الكثير من المحاذير لأن الجزائر دائما كانت تبني برامج سكنية وليس للمرة الأولى غير أن برنامج بحجم مليون سكن يتطلب الوقوف والتفكير جيدا لما يحمله الرقم من دلالات وهنا يمكن القول حسب الخبير أن المسألة لا تكمن في بناء مليون مسكن بل في توزيع المليون سكن المشار إليه هذه واحدة.
ويضيف عمرو، أن هناك جوانب غير قابلة للتنفيذ ميدانيا بسبب غياب العدد الكافي من مؤسسات الانجاز القادرة على الانجاز بالمقاييس المعمول بها، فضلا عن جملة مشاكل أهمها مسألة العقار الصالح للبناء والمواد الضرورية للبناء وعلى رأسها حديد الخرسانة والاسمنت، فضلا عن غياب قدرات وطنية حقيقية في مجال الانجاز مما أجبر الحكومة على اللجوء إلى شركات انجاز صينية وتركية واسبانية وايطالية وفرنسية للمساهمة في تنفيذ المشاريع السكنية، حيث لا تتجاوز الطاقة القصوى في البلاد لإنجاز الوحدات السكنية حوالي 83 ألف مسكن سنويا (بما في ذلك السكن الاجتماعي المنخفض الثمن الموجه للفئات المحدودة الدخل)، بينما الطلب يتجاوز 250 ألف مسكن سنويا من جميع الفئات.
مضيفا أن الجزائر مطالبة بتوفير 2.5 مليون وحدة سكنية من مختلف الأصناف خلال الـ10 أعوام القادمة لمجابهة الطلب الذي يسجل نموا يفوق 10 في المئة سنويا نتيجة عودة معدلات الزواج والإنجاب إلى الارتفاع، مع رغبة الأجيال الجدية في الاستقلال عن العائلة الكبيرة والبحث عن بناء أسر في بيوت منفردة نتيجة تعقيدات الحياة.
عملية المسح
في الأثناء، قال رئيس المعهد الجزائري للخبراء المعماريين عبد الحميد بوداود في تصريحات لـ«البيان» إن وضع أية سياسة في القطاع ومنها سياسة البرامج المليونية للسكن، لن تنجم عنه حلول جذرية للأزمة المتشعبة، بدون قيام الحكومة الجزائرية بعملية مسح شامل، بالإضافة إلى دراستها لطبيعة السكنات التي يقدرون على الحصول عليها، فضلا عن إحصاء العقار المتوفر الصالح للبناء على مستوى كل بلديات الجزائر الـ1541، وبعد ذلك يجب إنشاء بطاقة وطنية للسكن والسكان والعقار وبالتالي ستتمكن أية حكومة قادمة من تحديد الحاجيات الحقيقية للسكن على المستوى الوطني ويومها تتمكن الحكومة من الحديث عما إذا كانت في حاجة لمليون مسكن أو مليونين أو أكثر أو مجرد بضعة آلاف من المساكن.
غياب التخطيط
قال رئيس المعهد الجزائري للخبراء المعماريين عبد الحميد بوداود أن الحكومة الجزائرية في ظل الظروف الحالية، لا تعرف هل هي في حاجة لبرامج سكنية مستعجلة أو متوسطة أو طويلة الأمد، ولا تعرف أيضا ما إذا كانت تحتاج إلى دعم مباشر للفقراء في الحصول على سكن كريم، أم أن الأمر يحتاج فعلا للتحضير لتأسيس سوق عقارية بالمقاييس العالمية، لأن إقرار سياسة قروض عقارية تتطلب وجود هيئة سكنية قابلة للتداول.
