مع دخول عام 2013 لا تزال الإشكاليات تحيط بمنظومة الرعاية الصحية في مصر، على الرغم من أن الخدمات الصحية المجانية حق من حقوق الإنسان الطبيعية في أي دولة من الدول، ورغم كونها أبسط وأهم ما يجب توافره في مختلف المجتمعات.

وتحاصر الإشكاليات منظومة الصحة في مصر، كما تحاصر الخدمات الطبية المقدمة للفقراء ومحدودي الدخل، ومعظمها من الخدمات المجانية أو المدعومة من الدولة، وأبرز هذه الإشكاليات ظاهرة «الإهمال» وضعف الإنفاق الحكومي، ما يجعل العلاج الآمن والذي يراعي معايير واشتراطات حقوق الإنسان من حق الأغنياء فقط، الذين تتاح لهم الفرصة للعلاج في المستشفيات الخاصة والدولية.

وظهرت أخيراً إشكالية عززت من حالة الجدل بالمشهد المصري، وأرّقت المصريين كثيراً خلال الأيام الأخيرة، منذ أن شرعت الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور في وضع مواد وبنود الصحة في ذلك الدستور، حتى انتهت بطرحه للاستفتاء العام، تتلخص في أن الدستور لم ينص صراحة على الحق في مجانية العلاج، كما مهّد الطريق أمام «خصخصة التأمين الصحي المجاني»، ما يجعل الفقراء يواجهون جشع المستثمر في المستشفيات الخاصة، فضلاً عن كون الدستور قد حدد في إحدى مواده نصيباً خاصاً من الموازنة للصحة، لكنه لم يراعِ الاشتراطات الدولية في أن يكون ذلك النصيب 15 في المئة.

ويقول أمين عام نقابة الأطباء بالقاهرة، الدكتور إيهاب طاهر: إن «المواطن المصري الآن ليست لديه ضمانات من الدولة لعلاج صحي آمن ومجاني، وخاصة أن الدولة فرقت بينه وبين الأغنياء من المرضى، ما جعل الفقراء لا يجدون خدمات علاجية وصحية مناسبة، في الوقت الذي يجد فيه الغني خدمات أحسن وأوفر حظاً، ما يعصف بمبدأ التكافل المجتمعي والمواطنة، وحقوق الإنسان في مصر، وأحد أبسط حقوق المواطنين وهو الحق في تلقي خدمات علاجية وصحية مناسبة».

والناظر إلى حجم التكدس في المستشفيات العامة، والتي تقدم خدمات علاجية مجانية تابعة للتأمين الصحي أو تقدم خدمات علاجية مُخفضة التكاليف، يكتشف مدى سوء الخدمة المقدمة، لدرجة تقاسم عدد من المرضى السرير الواحد في مستشفيات عدة، وآخرون لا يجدون مكاناً فيفترشون الأرض، أو ترفض المستشفيات استقبالهم لعدم وجود مكان يسمح بوجودهم لتلقي العلاج، في مشهد رث يُدمي قلوب ومشاعر الجميع.. وتقف أمامه الحكومات المصرية المتعاقبة عاجزة تماماً عن إيجاد حلول جذرية لتلك المشكلة المتأصلة بمنظومة الصحة في مصر منذ سنوات طويلة، وعدم كفاية مخصصات الموازنة لتغطية حجم الإنفاق المطلوب على الخدمات الصحية.

وما يزيد الإشكالية بصورة أكبر هو الوضع الاقتصادي الباهت لمصر، والتي لجأت على خلفيته إلى طلب قرض قيمته 4.8 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي لتغطية ذلك العجز، وللمساهمة في الخروج من نفق الأزمة الراهنة عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، إضافة إلى المواد الدستورية التي تناولت بنود الصحة بنوع من «الغموض» وأتاحت الفرصة للمزيد من الخروقات بشكل عام.