«نضطر يوميًا لأن نشتري زجاجات المياه المعدنية للطهي والشرب، فالمياه التي تأتي لنا من الصنبور صفراء اللون، تشوبها شوائب مُتعددة، فالقرية محرومة من معالجة المياه، وليس بها أي سبل أو آليات للمعالجة، ما يجعلنا عرضة دائمًا للإصابة بأمراض الفشل الكلوي والسرطان»، بهذه الكلمات التي تخرج بحسرة، يتحدث أحد قاطني القرى المصرية المحرومة من المياه المعالجة، والبالغ عددها نحو 1500 قرية من قرى صعيد مصر، والتي تكثر فيها نسب الإصابة بأمراض الفشل الكلوي، والسرطانات، كما تتسبب المياه في إصابة نحو 135 ألف مواطن مصري بالسرطان سنويًا، وفقًا لدراسة حديثة أجراها مركز «الأرض لحقوق الإنسان» في مصر.
ويعتبر الحصول على المياه النقية والنظيفة «حقًا رئيسيًا وجوهريًا» من حقوق الإنسان، وفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، خاصة في فقرته الأولى بالمادة 25 التي نصت على أنه «لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته».
حصاد مميت
ووفقًا لدراسة حديثة لـ «المركز القومي للسموم»، فإن هناك نحو ما يقرب من نصف مليون مصري يصابون بأمراض التسمم بسبب مياه الشرب غير المعالجة «المُسممة»، ويؤدي التسمم لحصد أرواح خمسة آلاف مواطن مصري سنويًا، بسبب المياه غير المعالجة، على الرغم من وجود نحو 18 محطة لتنقية المياه في القاهرة، وثلاث محطات في كل محافظة أخرى.
ورصدت الدراسة وجود نحو 16 مليار متر مياه مكعب يتم صبها في مياه النيل، تكون محملة بالمخلفات الزراعية والصناعية، ما يؤدي لتلوث المياه، في الوقت الذي تتعدد فيه القرى المحرومة من معالجة المياه، ورصدت تقارير حديثة أيضًا عن وجود نحو ما يقرب من 330 مصنعاً تُصرف مخلفاتها في مياه النيل.
مشكلة الكلور
وكانت دراسة في مصر، أجريت منذ شهور قليلة، قد أوصت بضرورة أن يتم تطهير ومعالجة المياه في مصر بغاز الأوزون بدلا من الكلور، مؤكدة أن الكلور يُسبب السرطان، وذلك وفقًا لما أكده الخبير بوحدة دراسات تلوث المياه بالمركز القومي للبحوث، د. حلمي الزنفلى.
وتفاقمت إشكالية تلوث المياه في مصر خلال الأيام القليلة الأخيرة، وتسببت في تسمم عشرات المصريين في قرى عدد من محافظتي المنوفية والشرقية، والتي يفتقد بعضها لأساليب معالجة المياه. وعلى الرغم من إصرار الجانب الحكومي، المتمثل في «الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي»، من التبرؤ من تلك الأزمة، والتأكيد على كون المياه في قرى التسمم «نقية»، ونسبة الكلور فيها معتدلة.
وتعد إشكالية المياه من أبرز الملفات المهمة والحساسة على مائدة القيادات السياسية الجديدة في مصر، برئاسة محمد مرسي، والحكومة الجديدة، التي تضعهما على المحك وأمام اختبار حقيقي، وسط تأكيدات على أهمية الاعتناء بالبنية التحتية وتطويرها.
مياه ملوثة
دفع تفاقم إشكالية تلوث المياه في مصر، مدير «المركز القومي للسموم» محمود عمرو، للتأكيد على أن مصر خالية من المياه الصحية أو النقية بنسبة 100 في المئة».
وأشار عمرو إلى أن« تسمم المياه يحصد أرواح آلاف المصريين خلال العام، إذ تزداد مشكلات وأمراض الجهاز الهضمي والكبد، وضغط الدم بشكل عام»، مؤكدًا على أن «مياه الشرب في مصر تحمل ملوثات من مياه الصرف الصحي التي تختلط بها في كثير من المناطق، فضلاً عن مخلفات المصانع والمزارع المختلفة، وجميعها ملوثات تشكل خطرًا كبيرًا على صحة الإنسان في مصر، ويؤدي لارتفاع حالات أمراض الفشل الكلوي الذي يهدد أكثر من 35 ألف مصري سنويًا».
