«ع هدير البوسطة، كانت ناقلتنا»، يتوقّف الراديو عن بث الأغنية، فالبوسطة متوقفة، وكل صباح، ينتظرها سامر (24 عاماً)، فلا تأتي، يدفع 2000 ليرة ثمن غياب خدمة النقل العام في قريته، لتقلّه سيارة الأجرة إلى مدينة زحلة. وها هي البوسطة تنزل به من زحلة إلى أطراف العاصمة. وبعد الـ4000 الإضافية، ينتظر سامر ما يقارب الـ20 دقيقة حتى يستقل سيارة أجرة إلى مكان عمله في بيروت، فتكون حصيلة صباحه نحو 10 آلاف ليرة، ثم يتكرّر المشهد ذاته في المساء.
هذا العذاب، بالنسبة إلى سامر، أهون من شقاء قيادة السيارة الخاصة. فالطريق طويلة، وسعر صفيحة البنزين مرتفع، والدولة اكتفت بإعطاء «حبة منوّم» لغضب شريحة من الناس، عبر تعويض سائقي سيارات الأجرة فقط، ولمدة محدودة.
ففي لبنان، تعاني معالم خطة نقل توفّر على سامر وغيره مشقّة استعمال أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى عمله والانتظار، من التشوه. ومنذ ما يقارب العامين، بات عدد حافلات النقل العام، التابعة لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، التي تسير في الطرق والشوارع اللبنانية صفراً، وهو واقع لا ينسجم مع تاريخ إطلاق مصلحة سكك الحديد في لبنان، والتي ولدت قبل مئة وخمسة عشر عاماً لتكون وسيلة «النقل المشترك» الأولى في المنطقة، آنذاك، وينمّ عن عقلية الفوضى التي تحكم قطاع النقل في لبنان، والتي لم تتغيّر منذ عشرات السنين، لا بل تستفحل أزمة النقل العام لتصبح نذير شؤم تقسيمي للمناطق اللبنانية، وتسويقي للنقل الخاص على حساب النقل العام.
ولكون سياسة النقل الفوضويّة زكّتها الحكومات المتعاقبة، فإن الرقم صفر ينسجم مع الإرادة السياسية السائدة في البلاد، لناحية إهمال قطاعات الخدمات العامة كلها، وعلى رأسها مصلحة النقل المشترك، بذريعة «عدم الربحيّة»، بينما تنمو شركات القطاع الخاص وحافلاته، وتتراكم أرباحها، في «عزّ ودلال» الأطراف السياسية التي تدعمها، لا بل تتبنّاها وتهيّئ لها الظروف المؤاتية.
وتكفي الإشارة إلى أن البند المتعلّق بمصلحة النقل المشترك هو الذي يحول دون إقرار خطة تنظيم النقل العام في لبنان، والموجودة في مجلس الوزراء منذ نحو ثلاث سنوات، ليتبيّن حجم الخلاف القائم بين من يدعو إلى تفعيل النقل العام في البلاد، من جهة، وبين من يفضّل إيكال الأمر للقطاع الخاص الذي يحتكر حالياً النقل الحيوي والمنتج، من جهة أخرى.
وبحسب رئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان، فإن القيام بمشروع نقل عام ناجح يمكن أن يخفض تكلفة التنقّل على اللبنانيين، وفي الوقت نفسه يقلّل من الخسائر الصحية الناتجة من التلوث و«احتراق الأعصاب»، إضافة إلى خفض ضحايا حوادث السير، مع الإشارة الى أن الوصول إلى خطة نقل شاملة ووطنية يمكن أن يربط المدن الأساسية لتحقيق وحدة اقتصادية لبنانية متماسكة ومتفاعلة يمكن أن تنهض بالمستوى الإنتاجي إلى حدود تنمويّة مهمة.
ثلاث مراحل
وتقسم خطة النقل العام التي يتحدث عنها حمدان إلى ثلاث مراحل. الأولى منها تحتاج إلى موافقة وإقرار وزاري، وتتضمّن مشروع تنظيم مزاولة مهنة النقل العام. والمرحلة الثانية تحتاج إلى موافقة وإقرار مجلس الوزراء، وتعنى بإقرار سياسة قطاع النقل البري. أما المرحلة الثالثة، فتحتاج إلى موافقة مجلس الوزراء وإقرار من قبل مجلس النواب، وتتضمّن إعادة هيكلة إدارة قطاع النقل البرّي وتقديم الدعم المالي لقطاع النقل العام للركاب.
وكان وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي عبّر أكثر من مرة عن أسفه لكون «بعض من يتعاطى السياسة يخلط بين الأمور ويصفّي حسابات، إذ هناك ضغوط باتجاه عدم بتّ الخطة، بسبب العناد في رفض تفعيل المصلحة»، ورفع صوته مطالباً بشراء 165 حافلة للنقل العام، كمدخل لإصلاح النقل العام في لبنان، علماً بأن الدولة كانت قد اشترت أسطولين للنقل العام، وبدلاً من إجراء تصليحات دورية لها، ها هي يأكلها الصدأ ومتوقفة في عدد من الأحياء البيروتيّة.
من جهته، يشير رئيس لجنة الأشغال النيابية النائب محمد قباني إلى أن كل سوق النقل العام والخاص والنقل بالحافلات و«الميني باص» يستوعب نسبة تقارب ثلاثين في المئة من مجمل الركاب المتنقلين في لبنان، لافتاً إلى أن الخطة العامة تبدأ من معرفة حاجات السوق، وبالتالي تحديد حجمَي القطاع الخاص والقطاع العام. كما يشير قباني الى أهمية إعادة العمل بسكك الحديد بعد تأهيلها وتفعيلها، ومن بينها بشكل أساسي، الخط الساحلي شمالاً «إلى العبودية عند الحدود السورية»، وجنوباً «على الأقل إلى صور»، مثلما كانت الحال من قبل.
(البيان) معطيات وأرقام
بلغة المعطيات والأرقام، فإن غياب النقل العام في لبنان له أوجه مجهولة للبنانيين، ولكن معلومة لدى أصحاب القرار، إذ إن المستفيدين من غياب هذا المرفق الخدماتي كثر، وأبرزهم أربعة أطراف: عدد من مستوردي السيارات، الشركات النفطية، أصحاب شركات النقل الخاص والمنتفعون من هدر الأموال العامة في الوزارات المعنية والمؤسّسات العامة والرديفة.
إلا أن هذه المنافع تقابلها تكلفة باهظة يتحمّلها المواطنون وحدهم، على حساب مستوى معيشتهم ودخولهم، إذ أن الرقم التراجيدي الذي يمكن استخلاصه هو أن الدولة تدفع أكثر من 400 مليون دولار سنوياً للموظفين في القطاع العام بدل نقل، فيما يدفع اللبنانيون حوالى مليارَي دولار سنوياً ثمناً لبنزين السيارات. الى ذلك، تدفع الدولة حوالي 400 مليون دولار سنوياً بدل نقل لحوالي 200 ألف موظف في القطاع العام، على أساس 8 آلاف ليرة يومياً، وستتكبّد حوالي 300 ألف دولار إضافية من جراء زيادة بدلات النقل ألفَي ليرة إذا ما تمّت الموافقة على تصحيح الأجور، وذلك من دون أيّ إفادة فعلية من هذه المبالغ لتطوير النقل العام. وحيال هذا الواقع، بدأت مجموعة شبابيّة العمل مؤخراً في سبيل الضغط لتحقيق المطالب الأساسية للمواطنين، أو حقوقهم المشروعة. والمجموعة انبثقت من تحرّك حمل عنوان «عدليّة بنت نزيهة»، وتتناول موضوع النقل من ضمن سلّة حقوق متكاملة أساسية للمواطن اللبناني، انطلاقاً من قناعتها بأن طرح الحقوق «بالمفرّق» ينتهي دائماً بشعارات «ترقيعيّة» على الطريقة اللبنانية.
